دخل البنتاغون مرحلة جديدة من الاضطرابات المؤسسية، مع تراجع عدد كبار القادة العسكريين وتزايد المخاوف بشأن القدرات العسكرية الأمريكية، في وقت يعزز فيه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث قبضته على المؤسسة العسكرية، بعد أشهر من الحرب مع إيران.
وبحسب وسائل إعلام أمريكية، يواجه البنتاغون أزمة متزامنة في القيادة والقدرات العسكرية، إذ باتت المؤسسة تضم عدداً أقل من كبار القادة والأسلحة الحيوية، وسط تراجع مستوى المساءلة العامة مقارنة بالفترات السابقة من إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وكان أحدث التطورات استقالة وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول، الذي كان يعد أحد أبرز المسؤولين الصاعدين داخل الإدارة الأمريكية، والصديق المقرب لنائب الرئيس جي دي فانس وزميله السابق في كلية الحقوق بجامعة ييل.
وأثارت استقالة دريسكول، الاثنين، اهتماماً واسعاً، بعدما كان ينظر إليه في وقت سابق باعتباره أحد المرشحين المحتملين لخلافة هيغسيث.
وجاء رحيله بعد أشهر من الخلافات والصدامات مع هيغسيث بشأن إدارة الجيش وخطط تحديثه، رغم أن ترامب كان قد كلفه سابقاً بمهام دبلوماسية حساسة مرتبطة بالملف الأوكراني.
ويأتي ذلك بعد إقالة هيغسيث رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، الأمر الذي ترك الجيش الأمريكي، وفق التقرير، دون قيادة مدنية أو عسكرية معتمدة من مجلس الشيوخ في ظل استمرار الحرب مع إيران.
وقام هيغسيث خلال الأشهر الماضية بفصل أو دفع عدد كبير من كبار الضباط إلى مغادرة مواقعهم في مختلف أفرع القوات المسلحة الأمريكية، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة وقائد البحرية ورئيس أركان الجيش.
وأحصت صحيفة “واشنطن بوست” أكثر من 20 ضابطاً رفيع المستوى غادروا مواقعهم في عهد هيغسيث، الذي أعاد تشكيل هيئة الأركان المشتركة بصورة شبه كاملة، بينما لم يبق من القادة الذين ورثهم سوى قائدي سلاح مشاة البحرية وقوات الفضاء.
كما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن هيغسيث تدخل شخصياً لإزالة ما لا يقل عن 45 ضابطاً من قوائم الترقيات خلال العام الجاري، في خطوة اعتبرت غير اعتيادية نظراً إلى أن نظام الترقيات العسكرية كان تقليدياً معزولاً بدرجة كبيرة عن التدخل السياسي.
وفي تطور آخر، أفادت شبكة “إن بي سي نيوز” بأن هيغسيث عرقل خلال الأسابيع الأخيرة ترقيات إضافية، شملت أكثر من 12 ضابطاً من السود أو ذوي الأصول الإسبانية أو النساء في أجهزة أمنية وعسكرية مختلفة.
ويأتي هذا الاضطراب في وقت تواجه فيه القوات الأمريكية ضغوطاً متزايدة بسبب الحرب مع إيران، وسط تحذيرات من كبار القادة العسكريين بشأن تأثير استمرار العمليات على الجاهزية الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.
وقالت صحيفة “واشنطن بوست” إن القادة العسكريين المسؤولين عن مناطق أوروبا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية، إلى جانب قائد البحرية، اعترضوا رسمياً على تمديد نشر القوات في الحرب مع إيران، محذرين من أن الانتشار الطويل قد يضعف القدرة الأمريكية على مواجهة تهديدات أخرى.
وفي السياق ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن ربع المدمرات الأمريكية فقط جاهز للانتشار، فيما جرى تحويل حاملة الطائرات الوحيدة المخصصة لمنطقة المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط.
كما أفادت وكالة “أسوشيتد برس” بأن الحرب مع إيران استهلكت نحو 65% من المخزون الأمريكي من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، الأمر الذي أدى إلى تقليص الإمدادات المخصصة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وأثار مخاوف بشأن الحفاظ على الأسلحة اللازمة لأي مواجهة محتملة مع الصين.
لكن البنتاغون نفى توصيف الوضع بأنه فوضوي، إذ قال المتحدث باسمه شون بارنيل إن الحديث عن وجود “فوضى” داخل الوزارة لا يستند إلى أساس، معتبراً أن هذا الوصف يمثل إساءة إلى العاملين والعسكريين الذين يؤدون مهامهم يومياً.
وأكد بارنيل أن الخلافات بين الجنرالات الأمريكيين أمر معتاد، فيما وصف نشر تقييمات سرية مرتبطة بأوامر هيغسيث بأنه “جريمة” و”خيانة للقوة”.
كما نفى وجود نقص في الذخائر، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك “ترسانة عميقة وجاهزة”.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن البنتاغون أصبح أقل انفتاحاً أمام وسائل الإعلام والجمهور، إذ لم تعقد وزارة الحرب مؤتمراً صحفياً رسمياً منذ الخامس من مايو، رغم استمرار الحرب مع إيران، وبعد تعهد سابق بجعل الإحاطات الإعلامية جزءاً روتينياً من عمل المؤسسة.
وتحدثت تقارير أيضاً عن تعيين شخصيات عسكرية مؤثرة متحالفة مع حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” في وظائف مدنية داخل البنتاغون، بينما يواصل عدد منهم الترويج علناً لسياسات هيغسيث ومهاجمة منتقديه.
كما يواجه البنتاغون دعوى قضائية رفعها ثلاثة من كبار العاملين في صحيفة “ستارز آند سترايبس” العسكرية، اتهموا فيها وزارة الحرب بطردهم انتقاماً من تغطيتهم الإعلامية غير المواتية للأوضاع على متن حاملة طائرات شاركت في الحرب مع إيران.





