كشف تقرير أعده خبراء بتكليف من المفوضية الأوروبية عن توجه أوروبي جديد لتشديد تنظيم منصات التواصل الاجتماعي والخدمات الرقمية، ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز حماية الأطفال على الإنترنت وإلزام شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل مسؤولية أكبر عن سلامة المستخدمين القُصّر.
ويقدم التقرير إطاراً جديداً لتنظيم استخدام الأطفال للفضاء الرقمي، يقوم على إدخال تدريجي للقاصرين إلى الإنترنت، بدلاً من الاكتفاء بفرض حظر شامل على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى سن معينة.
ورغم تأييد التقرير اعتماد سن 13 عاماً كحد أدنى لاستخدام المنصات الرقمية، فإنه شدد على أن هذا الإجراء لا يمثل حلاً كافياً بمفرده، بل يجب أن يكون جزءاً من منظومة أوسع تشمل الرقابة الأسرية والإشراف المدرسي وإجراءات السلامة التي تلتزم بها الشركات.
وجاء التقرير بعد دراسة أجراها طبيب نفسي ألماني متخصص في طب الأطفال وعالمة أوبئة اجتماعية فرنسية بتكليف من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي أعلنت دعمها لاتخاذ خطوات أوروبية أكثر صرامة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية.
وأكد معدا التقرير أن الأطفال دون سن الثانية ينبغي ألا يستخدموا الشاشات الإلكترونية، بينما أوصيا بعدم السماح للأطفال بين الثالثة والثالثة عشرة باستخدام الأجهزة المتصلة بالإنترنت دون إشراف من أولياء الأمور أو المؤسسات التعليمية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتجه فيه عدة دول أوروبية إلى سن قوانين وطنية أكثر تشدداً، إذ اقترحت بعض الحكومات رفع الحد الأدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى 15 أو 16 عاماً، بينما تسعى فرنسا إلى تطبيق تشريعها الجديد خلال الأشهر المقبلة.
واستند التقرير إلى تجارب دول أخرى، من بينها أستراليا، التي فرضت حظراً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، إلا أن الدراسات أظهرت استمرار استخدام أكثر من 85 في المئة من المراهقين لتلك المنصات رغم القيود المفروضة، وهو ما اعتبره الخبراء دليلاً على محدودية فعالية الحظر وحده.
وشدد التقرير على ضرورة نقل مسؤولية حماية الأطفال من المستخدمين وأسرهم إلى شركات التكنولوجيا، داعياً إلى إلزام المنصات بإثبات أنها توفر معايير الأمان الأساسية قبل السماح للقاصرين باستخدام خدماتها.
وأكدت فون دير لاين أن مبدأ حماية المستهلك يجب أن ينطبق أيضاً على المنصات الرقمية، مشيرة إلى أن الشركات المصنعة للسيارات تتحمل مسؤولية توفير وسائل السلامة في مركباتها، وبالتالي ينبغي أن تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية توفير بيئة رقمية آمنة للأطفال.
ويرى معدو التقرير أن هذا التوجه قد يؤدي إلى إدراج بعض جوانب حماية الأطفال على الإنترنت ضمن قوانين حماية المستهلك الأوروبية، التي تستعد بروكسل لمراجعتها وتحديثها خلال الفترة المقبلة.
كما وسع التقرير نطاق اهتمامه ليشمل خدمات رقمية أخرى تتجاوز منصات التواصل الاجتماعي التقليدية، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة ومنصات الألعاب الإلكترونية، في إطار مفهوم جديد أطلق عليه “وسائل التواصل الاجتماعي+”.
وأوضح الخبراء أن التحدي لا يرتبط باسم المنصة بقدر ما يتعلق بالخصائص التقنية المستخدمة فيها، مثل أنظمة التوصية الخوارزمية وآليات التمرير اللانهائي، التي صممت لزيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم داخل التطبيق، بينما لا يمتلك الأطفال القدرة الكافية على التعامل مع آثارها النفسية والسلوكية.
وأكد التقرير أن معالجة هذه المشكلة تتطلب استراتيجية بعيدة المدى، مشيراً إلى أن فرض القيود العمرية قد يوفر حماية مؤقتة، لكنه لن يحقق تغييراً جذرياً ما لم يترافق مع تحول ثقافي وتطوير شامل لبيئة الإنترنت.
وأضاف معدو التقرير أن الهدف النهائي يتمثل في جعل الإنترنت أكثر أماناً لجميع المستخدمين، وليس فقط للأطفال، وهو ما يستلزم سنوات من العمل التشريعي والتقني والتوعوي.
وفيما يتعلق بالدول الأعضاء، تجنب التقرير فرض نموذج موحد ملزم، واقترح اعتماد حد أدنى أوروبي يبلغ 13 عاماً، مع منح الحكومات الوطنية حرية رفع هذا الحد إذا رأت أن ظروفها الاجتماعية أو القانونية تستدعي ذلك.
وأشار إلى أن التنوع الثقافي والتشريعي داخل الاتحاد الأوروبي يجعل من الصعب فرض سياسة موحدة بالكامل، لذلك ينبغي ترك مساحة للدول الأعضاء لاعتماد قواعد أكثر تشدداً إذا رغبت في ذلك.





