كشفت شركة الذكاء الاصطناعي الأمريكية “أنثروبيك” عن عملية تأثير قالت إنها مرتبطة بمسؤولين حكوميين إماراتيين، واستخدمت مساعدها الذكي “كلود” لبناء شبكة رقمية تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، والتأثير في الخطاب المتعلق بالحرب في السودان، وتعطيل جهود المساءلة داخل الأمم المتحدة بشأن الدور الإماراتي في الصراع السوداني.
وقالت “أنثروبيك” في تقريرها الصادر في سبتمبر/أيلول 2026 إن التحقيق الداخلي الذي أجرته الشركة ربط العملية “بثقة عالية” بمسؤولين حكوميين إماراتيين، مشيرة إلى أن العملية اعتمدت على حسابات وشبكات متعددة لإخفاء طبيعتها الحقيقية. وأكدت الشركة أنها عطلت الحسابات المرتبطة بالعملية، لكنها قالت في الوقت نفسه إنها لم تتمكن من التأكد مما إذا كانت المواد التي جرى إعدادها وصلت بالفعل إلى الجمهور المستهدف أو أحدثت تأثيراً مؤكداً على السياسات.
ووفق التقرير، استخدم الفاعل المرتبط بالإمارات مساعد “كلود” لبناء شبكة تضم نحو 300 حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، جرى تقديمها على أنها حسابات لمؤثرين حقيقيين، بهدف التأثير في النقاشات المتعلقة بجماعة الإخوان المسلمين والحرب في السودان ودور الأمم المتحدة.
وكشفت الشركة أن العملية لم تقتصر على نشر محتوى عبر وسائل التواصل، بل شملت إنشاء منظمة غير حكومية واجهة استخدمت هوية منظمة سويسرية حقيقية، ثم نشرت تحت اسمها تقارير في مجال حقوق الإنسان قالت “أنثروبيك” إنها أُعدت بتوجيه من الدولة.
واستخدمت العملية “كلود” أيضاً لإعداد شهادات رسمية باسم شخصين كان من المفترض أن يقدماها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وأكدت الشركة أن المحتوى أُعد وفق قيود محددة تضمن عدم ذكر الإمارات في أي من الشهادتين، بما يسمح بتقديم المواد أمام مؤسسة دولية من دون الكشف عن الجهة التي تقف وراء إعدادها.
وطالت العملية كذلك شخصيات سياسية وإعلامية في أوروبا، إذ استخدم المشغل “كلود” للبحث عن 18 عضواً في البرلمان الأوروبي وعدد من الصحفيين البارزين، وإنشاء ملفات تعريفية مفصلة عنهم. وقالت “أنثروبيك” إن العملية تضمنت أيضاً إعداد ما وصفته بـ”ملفات مضادة للمساءلة” تستهدف مقررين خاصين للأمم المتحدة سبق أن انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.
وربطت الشركة هذه الأنشطة بسياق سياسي أوسع، وقالت إن ملفاً أطلق عليه “ملف العقيدة” وجّه النظام إلى تكرار المهمة نفسها عبر مئات الجلسات، تحت عنوان عملية “منسقة عبر الأطلسي وإقليمية لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم”.
وأضافت “أنثروبيك” أن المشغل استخدم وثائق العقيدة السياسية والموضوعات المستقاة من الأحداث الحقيقية، ثم استعان بالذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى مواد ذات مظهر رسمي، بينها ملخصات استخباراتية وتقارير منسوبة إلى جهات أخرى وشهادات مكتوبة بأسماء مستعارة وقوائم تستهدف أشخاصاً محددين.
وكشفت الشركة أن الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي استخدمها المشغل حملت اسم “ديدشوت”، واستُضيفت على منصة خاصة، فيما تولى المشغل المرتبط بالإمارات تمويل شبكة تضخيم المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت “أنثروبيك” إلى أن إحدى العمليات ركزت على السودان، حيث جرى استخدام هوية منظمة سودانية حقيقية في محاولة لإضفاء طابع مستقل ومحلي على مواد أُعدت سياسياً. وشملت العملية، بحسب التقرير، كتابة شهادات كاملة لأشخاص كان يفترض أن يقدموا أنفسهم كشهود محليين مستقلين أمام الأمم المتحدة، في وقت كانت المواد تخدم طرفاً محدداً في الصراع.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل استمرار الجدل حول الدور الإماراتي في الحرب السودانية، حيث تواجه أبوظبي اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، التي تواجه بدورها اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين وجرائم في دارفور. وتنفي الإمارات دعمها العسكري لقوات الدعم السريع، فيما نفت مراراً الاتهامات الموجهة إليها بشأن التدخل في الحرب.
وتسلط القضية الضوء على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة في عمليات التأثير السياسي، إذ لم يعد دوره مقتصراً على إنتاج النصوص والصور، وإنما بات قادراً على المساعدة في بناء شبكات حسابات، وإعداد ملفات عن شخصيات مستهدفة، وصياغة شهادات وتقارير تبدو مستقلة، وتحويل التوجيهات السياسية إلى مواد قابلة للنشر والتداول.
وأكدت “أنثروبيك” أنها رصدت العملية وعرقلتها، وأنها طورت وسائل إضافية لاكتشاف هذا النوع من الاستخدامات. لكنها أقرت بأن التحقيق لم يثبت وصول جميع المواد إلى أهدافها أو نجاح الحملة في تحقيق تأثير واسع على الرأي العام أو صناعة القرار.
وتضع نتائج التحقيق الإمارات أمام اتهامات خطيرة تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في التأثير السياسي وإخفاء مصدر المواد المقدمة إلى مؤسسات دولية، خصوصاً مع ورود أسماء مسؤولين حكوميين إماراتيين باعتبارهم مستفيدين محتملين من العملية، وفق ما أوردته الشركة الأمريكية.




