كشفت تقارير لصحيفة «فايننشال تايمز» أن بنك JPMorgan Chase يجري محادثات متقدمة لتقديم خدمات مصرفية لما يُعرف بـ«مجلس السلام»، وهو الكيان الذي تقوده الولايات المتحدة والمكلّف بإعادة إعمار قطاع غزة، في خطوة تعكس إدخال وول ستريت مباشرة إلى قلب مشروع سياسي–أمني يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تسويقه بوصفه بديلًا عمليًا لمنظومة الأمم المتحدة.
وبحسب أشخاص مطلعين على المناقشات، فإن المباحثات تتناول قيام «جيه بي مورغان» بتوفير خدمات تشمل تسهيل عمليات الدفع من المجلس وإليه، بما يضع أكبر بنك في الولايات المتحدة من حيث الأصول—التي تتجاوز 4 تريليونات دولار—في موقع الواجهة المالية لكيان ناشئ مثير للجدل سياسيًا ودوليًا.
ويرفض البنك التعليق رسميًا على طبيعة تفاعلاته مع المجلس، الذي حظي بدعم قرار من مجلس الأمن الدولي أواخر العام الماضي عقب وقف إطلاق نار بوساطة أميركية في غزة.
وقد طُرح «مجلس السلام» في الأساس كجزء من مساعي إدارة ترامب لبلورة إطار حوكمة جديد لغزة في أعقاب حرب إسرائيل المدمرة على القطاع.
غير أن الرئيس الأميركي بات يدفع بالمجلس إلى ما هو أبعد من دوره الإنساني، مقدمًا إياه كبديل مؤسسي للأمم المتحدة. وكتب ترامب هذا الشهر على منصته «تروث سوشيال» أن الأعضاء المؤسسين للمجلس وضعوا رؤية «لحياة المدنيين في القطاع الفلسطيني، ومن ثم، في نهاية المطاف، لما هو أبعد بكثير من غزة—سلام عالمي».
وتزداد حساسية هذه الخطوة في ظل العلاقة المعقدة بين إدارة ترامب و«جيه بي مورغان». فالرئيس الأميركي رفع الشهر الماضي دعوى قضائية ضد البنك ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، متهمًا المقرض بإغلاق حساباته لأسباب سياسية.
ورغم ذلك، سعى ديمون في السنوات الأخيرة إلى مواءمة سياسات البنك مع أجندة «أميركا أولًا»، معلنًا هدفًا لتسهيل وتمويل استثمارات بقيمة 1.5 تريليون دولار في قطاعات تعتبرها واشنطن حيوية للأمن القومي والبنية التحتية.
وقال مسؤول في الإدارة الأميركية، رفض الكشف عن هويته، إن البيت الأبيض لا يعلّق على أي محادثات جارية مع «جيه بي مورغان»، مؤكدًا أنه «لا يوجد ما يمكن الإعلان عنه في الوقت الحالي».
وأضاف أن الإدارة «تستكشف جميع الخيارات التي يمكن أن تساعد على إيصال المساعدات إلى غزة بأكبر قدر ممكن من الكفاءة والفعالية»، في إشارة إلى أن الدور المالي للمجلس لا يزال قيد التشكّل.
وحتى الآن، وافقت نحو 24 دولة على الانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي سيرأسه ترامب نفسه.
وسيُموّل المجلس عبر مساهمات الدول الأعضاء، مع منح عضوية دائمة للدول التي تتعهد بتقديم ما لا يقل عن مليار دولار خلال السنة الأولى، مقابل عضوية قياسية تمتد ثلاث سنوات لبقية المشاركين.
وتحت هذا الإطار العام، أنشأ ترامب مجلسًا تنفيذيًا يضم شخصيات سياسية واقتصادية بارزة.
ويشمل المجلس التنفيذي مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ونيكولاي ملادينوف، وزير الدفاع البلغاري السابق ومبعوث الأمم المتحدة الأسبق، الذي عُيّن ممثلًا أعلى لغزة.
وينص ميثاق المجلس على أن يتولى هذا الجسم التنفيذي وضع ضوابط صارمة للموازنات والحسابات وآليات الصرف «لضمان النزاهة المالية».
كما جرى إنشاء لجنة فلسطينية من 14 خبيرًا تكنوقراطيًا لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، تعمل تحت إشراف المجلس التنفيذي، في محاولة لمنح المشروع غطاءً محليًا.
وكان قد كُشف عن المجلس رسميًا خلال منتدى دافوس الاقتصادي الشهر الماضي، على أن يعقد اجتماعًا جديدًا في واشنطن هذا الأسبوع.
وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن ترامب سيكشف خلال الاجتماع أن الدول الأعضاء تعهدت بتقديم أكثر من 5 مليارات دولار لجهود الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة.
وفي مؤتمر ميونيخ للأمن، أشار ملادينوف إلى أن «صندوقًا استئمانيًا تابعًا للبنك الدولي» يجري إنشاؤه لإدارة المساعدات، على أن يركز في مرحلته الأولى على الإغاثة العاجلة والتعافي والأمن.
وكان كوشنر قد عرض في دافوس خطة لإعادة بناء «غزة الجديدة» تتضمن أبراجًا وبنى تحتية حديثة بتكلفة تقديرية تصل إلى 30 مليار دولار، ما يثير تساؤلات واسعة حول تسييس الإعمار، ودور المؤسسات المالية الكبرى في إعادة رسم مستقبل القطاع.
وفي هذا السياق، يبدو أن دخول «جيه بي مورغان» على الخط لا يمثل مجرد ترتيب مصرفي، بل مؤشرًا على انتقال ملف غزة من ساحة السياسة الدولية إلى قلب حسابات رأس المال العالمي.





