كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن أبعاد حملة إسرائيلية سرية ومعقّدة داخل الأراضي السورية، تهدف إلى التأثير في مسار المرحلة السياسية الجديدة التي أعقبت الإطاحة بنظام بشار الأسد، وإلى إضعاف قدرة الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع على بسط سلطتها وتوحيد البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية.
وقالت الصحيفة إنه بعد تسعة أيام فقط من سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت مروحيات إسرائيلية بالتحليق ليلًا فوق جنوب سوريا، في عمليات إسقاط جوي سرية شملت مساعدات إنسانية، لكنها تضمنت أيضًا شحنات عسكرية كاملة: نحو 500 بندقية، وذخائر، ودروع واقية، وُجّهت لتسليح ميليشيا درزية تُعرف باسم «المجلس العسكري».
ووفق مسؤولين إسرائيليين سابقين شاركوا مباشرة في هذه العمليات، جاءت الخطوة ردًا على صعود الشرع، الذي تنظر إليه إسرائيل بعين الشك بسبب خلفيته الإسلامية وعلاقاته السابقة بتنظيمات متطرفة.
وترى تل أبيب أن التغيير السياسي في دمشق يحمل مخاطر استراتيجية، خصوصًا إذا نجحت القيادة الجديدة في إعادة بناء دولة موحدة قادرة على فرض سيادتها.
ومن هذا المنطلق، سعت إسرائيل، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين، إلى دعم قوى محلية، ولا سيما الدروز، بوصفهم أداة موازنة تُضعف السلطة المركزية وتُعقّد مشروع توحيد سوريا.
وخلص تحقيق واشنطن بوست، الذي استند إلى مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولًا إسرائيليًا وغربيًا وقادة ميليشيات درزية وشخصيات سياسية، إلى أن الدعم الإسرائيلي بلغ ذروته في أبريل/نيسان 2025، عقب اشتباكات دامية بين مقاتلين دروز ومسلحين موالين للحكومة الجديدة.
ورغم تقليص شحنات الأسلحة لاحقًا، لا تزال إسرائيل تواصل تزويد المقاتلين الدروز بمعدات غير فتاكة، كالدروع الواقية والإمدادات الطبية، إضافة إلى تقديم دعم مالي شهري يتراوح بين 100 و200 دولار لنحو ثلاثة آلاف مقاتل.
وتستند هذه السياسة إلى ركيزتين أساسيتين داخل المؤسسة الإسرائيلية: الأولى قناعة بأن الولايات المتحدة تتعامل بسذاجة مع الشرع وتقلل من مخاطر تحوله إلى حاكم قوي قد يشكل تهديدًا مستقبليًا، والثانية ما تصفه إسرائيل بـ«الالتزام الأخلاقي» تجاه الدروز، الذين تربطها بهم علاقات تاريخية عميقة داخل إسرائيل وخارجها.
لكن هذه المقاربة لم تمر دون انتقادات. فمسؤولون أميركيون، بينهم دانا سترول، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية، حذّروا من أن التحركات الإسرائيلية تقوّض فرصة نادرة لاستقرار سوريا.
وقالت سترول إن واشنطن تشعر بإحباط متزايد من سياسات إسرائيل التي تُضعف مسارًا سياسيًا يرغب كثيرون في المنطقة والعالم في إنجاحه، معتبرة أن دعم النزعات الانفصالية قد يأتي بنتائج عكسية.
من جانبه، اتهم أحمد الشرع إسرائيل بالسعي إلى تحقيق «طموحات توسعية» عبر دعم حركات انفصالية، محذرًا من أن ذلك قد يشعل حروبًا إقليمية تمتد آثارها إلى الأردن والعراق وتركيا ودول الخليج.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى وجود تقدم نسبي في محادثات خفض التصعيد مع إسرائيل، معربًا عن أمله في انسحابها من الأراضي التي سيطرت عليها مؤخرًا.
داخليًا، لا تخلو الساحة الدرزية نفسها من الانقسامات، إذ برزت صراعات نفوذ بين قادة محليين، ما زاد شكوك إسرائيل حول جدوى الرهان على وكلاء محليين.
وقد دفع ذلك بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى استحضار تجربة جنوب لبنان، حيث انهار «جيش لبنان الجنوبي» المدعوم إسرائيليًا عام 2000، محذرين من تكرار السيناريو نفسه في سوريا.
في المحصلة، يظهر التحقيق أن إسرائيل تسير على خيط رفيع بين تقليص مخاطر أمنية محتملة على حدودها الشمالية، وبين الإسهام في إطالة حالة عدم الاستقرار في سوريا.
وبينما تواصل تل أبيب دعمًا محسوبًا للدروز، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه السياسة في حماية المصالح الإسرائيلية، أم أنها ستقوّض فرصة تاريخية لقيام سوريا موحدة ومستقرة بعد سنوات من الدمار؟.





