موجة حر تاريخية تهدد الاقتصاد الفرنسي بخسائر بمئات المليارات

موجة حر تاريخية تهدد الاقتصاد الفرنسي بخسائر بمئات المليارات

شارك

تواجه فرنسا تداعيات اقتصادية متزايدة بعد تعرضها لأشد موجة حر يشهدها شهر يونيو منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، في وقت حذرت فيه تقارير اقتصادية ورسمية من أن الخسائر قد تمتد لسنوات مقبلة، مع تراجع الإنتاج الزراعي وتعطل قطاعات حيوية وانكشاف البنية التحتية أمام الظواهر المناخية المتطرفة.

وشهدت مناطق واسعة من البلاد درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية، ما تسبب في اضطرابات واسعة شملت تقليص ساعات العمل في قطاعات البناء والزراعة، وانقطاع التيار الكهربائي في بعض المناطق، وإغلاق عدد من المخابز والمتاجر، فضلاً عن أضرار لحقت بالطرق والبنية التحتية نتيجة ذوبان الأسفلت وارتفاع الأحمال على شبكات الكهرباء.

وأثارت موجة الحر نقاشاً وطنياً متصاعداً حول ضرورة إعادة تنظيم بيئة العمل وآليات التكيف مع التغير المناخي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني، وسط تحذيرات من أن الظواهر المناخية القاسية أصبحت تتكرر بوتيرة أعلى مما كان متوقعاً.

ورغم أن بعض الاقتصاديين يرون أن التأثير الإحصائي المباشر على الاقتصاد قد يبقى محدوداً نسبياً، مستفيداً من انخفاض أسعار النفط بعد إعادة فتح مضيق هرمز وارتفاع الطلب على أجهزة التبريد والتكييف، فإن المؤشرات الميدانية تكشف عن خسائر متنامية في قطاعات الإنتاج والخدمات.

وأجبرت درجات الحرارة المرتفعة شركات البناء على تقليص ساعات العمل اليومية حفاظاً على سلامة العمال، بينما عدلت مؤسسات تجارية ساعات عملها لتجنب فترات الذروة الحرارية، في حين اضطرت مخابز في العاصمة باريس إلى إغلاق أبوابها بعد أن أصبحت درجات الحرارة داخلها غير محتملة مع غياب أنظمة التكييف.

وفي القطاع الصحي، تشير التقديرات الأولية إلى تسجيل نحو ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بموجة الحر، معظمها بين كبار السن، فيما يتوقع خبراء الصحة أن يرتفع العدد النهائي للوفيات إلى ما بين 5700 و15 ألف حالة، مقارنة بما شهدته موجات الحر السابقة، وعلى رأسها كارثة صيف عام 2003 التي تعد من أكثر الكوارث المناخية دموية في تاريخ فرنسا الحديث.

وكان القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضرراً، إذ حذرت وزيرة الزراعة الفرنسية آني جينفارد من خسائر كبيرة متوقعة في إنتاج القمح والذرة، مشيرة إلى أن البلاد تواجه واقعاً جديداً تزداد فيه موجات الحر والجفاف والفيضانات والصقيع بصورة متكررة.

كما سجلت مزارع الدواجن ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات نفوق الطيور تجاوز 1200% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، الأمر الذي دفع السلطات إلى إصدار تراخيص استثنائية تسمح للمزارعين بدفن الدواجن النافقة داخل المزارع بدلاً من نقلها إلى مصانع المعالجة، في محاولة لاحتواء الأزمة الصحية والبيئية.

وأكدت وزيرة الزراعة أن الحكومة تدرس تعزيز إجراءات التكيف عبر توسيع مخزون المياه، وتركيب أنظمة تبريد للمواشي، والاستثمار في حلول تقلل من آثار الحرارة المرتفعة على الإنتاج الزراعي، معتبرة أن التغير المناخي بات واقعاً يفرض إعادة صياغة السياسات الزراعية والاقتصادية.

ويعكس هذا التوجه تحولاً في الخطاب الحكومي الفرنسي، الذي بات يركز بصورة أكبر على التكيف مع التغير المناخي، بدلاً من الاقتصار على سياسات الحد من الانبعاثات الكربونية، في ظل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة وصعوبة احتوائها.

وفي هذا السياق، برزت انتقادات لتراجع بعض المشاريع البيئية التي سبق أن أعلنتها الحكومة، من بينها تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزراعة مليار شجرة بحلول عام 2032.

وتشير البيانات إلى أن عدد الأشجار المزروعة حتى الآن لم يتجاوز مئة مليون شجرة، فيما تقلصت مخصصات “الصندوق الأخضر” المخصص لمشاريع التكيف المناخي بمقدار الثلثين خلال السنوات الثلاث الماضية.

ورغم تخصيص الحكومة نحو 100 مليون يورو لشراء أجهزة تكييف ومراوح ومعدات طبية للمستشفيات بصورة عاجلة، يرى خبراء أن هذه الإجراءات لا تمثل سوى استجابة مؤقتة لأزمة مرشحة للتفاقم، في ظل توقعات علمية تشير إلى إمكانية وصول درجات الحرارة في العاصمة باريس إلى 50 درجة مئوية بحلول منتصف القرن الحالي.

وتحذر تقارير اقتصادية من أن فرنسا ستكون من أكثر الاقتصادات الأوروبية تعرضاً للخسائر الناجمة عن موجات الحر خلال السنوات المقبلة، إذ قد تصل الخسائر التراكمية بين عامي 2026 و2030 إلى نحو 240 مليار دولار، متقدمة على إيطاليا وألمانيا وإسبانيا.

وأشار تقرير صادر عن شركة “أليانز” إلى أن موجات الحر أصبحت تمثل خطراً اقتصادياً هيكلياً، موضحاً أن ارتفاع درجات الحرارة فوق 30 درجة مئوية يؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمال بنحو 3% لكل ساعة عمل، فضلاً عن تراجع الكفاءة نتيجة اضطرابات النوم والإجهاد الحراري.

كما كشف التقرير عن تعرض البنية التحتية الأوروبية لاختبارات غير مسبوقة، إذ أدى تعطل كابلات كهربائية قديمة إلى انقطاع التيار في مدن قرب باريس، بينما اضطرت السلطات إلى إيقاف تشغيل ثلاثة مفاعلات نووية لتجنب ارتفاع حرارة الأنهار المستخدمة في عمليات التبريد.

وامتدت آثار موجة الحر إلى دول أوروبية أخرى، حيث سجلت ألمانيا انبعاجاً في قضبان الترام، بينما شهدت بلجيكا ذوبان أجزاء من الأسفلت وتحركه، ما استدعى تنفيذ إصلاحات عاجلة لشبكات الطرق.

وفي موازاة ذلك، تتزايد الدعوات لمراجعة قوانين العمل، مع تحذيرات من أن العمال الموسميين والعاملين في الهواء الطلق يتحملون العبء الأكبر للأزمة المناخية، وسط مطالب بوضع أنظمة حماية جديدة تضمن سلامتهم وتعوض خسائرهم خلال فترات الحر الشديد.

ويرى مختصون أن موجة الحر الحالية تمثل نقطة تحول في النظرة الأوروبية إلى سوق العمل، إذ بدأت تظهر فجوة جديدة بين العاملين في البيئات المكيفة القادرين على مواصلة الإنتاج، وبين العمال الميدانيين الذين باتوا الأكثر تعرضاً للمخاطر الصحية والخسائر الاقتصادية مع استمرار تصاعد آثار التغير المناخي.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً