كثّفت سلطنة عُمان اتصالاتها الدبلوماسية مع طهران، في وقت يواجه فيه النظام الإيراني واحدة من أعنف موجات الاحتجاج الداخلي منذ سنوات، بينما يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيارات الرد على حملة القمع التي تشنها السلطات الإيرانية ضد المتظاهرين.
وتُقرأ التحركات العُمانية على نطاق واسع باعتبارها محاولة لفتح نافذة دبلوماسية ضيقة قد تمنح طهران متنفساً سياسياً واقتصادياً، وتجنب المنطقة تصعيداً عسكرياً واسعاً.
وكان وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي زار طهران يوم السبت، حيث عقد سلسلة لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
وقال البوسعيدي في منشور على منصة “إكس” إنه أنهى “يوماً مثمراً” من المشاورات، شمل “تبادلاً جوهرياً للآراء حول قضايا رئيسية ذات اهتمام مشترك”، مؤكداً استمرار التواصل “دعماً للسلام والاستقرار الإقليمي والانخراط البنّاء”.
وتأتي الزيارة بينما تشهد إيران اضطرابات غير مسبوقة، تحولت فيها احتجاجات على الأوضاع المعيشية إلى مظاهرات واسعة مناهضة للحكومة.
وتشير تقارير حقوقية إلى سقوط مئات القتلى، بينهم أطفال، منذ اندلاع الاحتجاجات، في وقت تصر فيه السلطات الإيرانية على أن الوضع “تحت السيطرة”، رغم انقطاعات الإنترنت الواسعة التي زادت من عزلة الداخل الإيراني عن العالم.
وقد قوبل التحرك العُماني بانتقادات من معارضي النظام الإيراني، الذين اعتبروا الزيارة “تطبيعاً” مع قيادة تواجه اتهامات بقمع دموي. غير أن مسقط دافعت، عملياً، عن نهجها التقليدي القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتركيز على التواصل مع الدولة بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي.
ويعود هذا النهج، بحسب دبلوماسيين، إلى عقود من السياسة العُمانية الهادئة التي جعلت منها قناة موثوقة في أزمات إقليمية معقدة.
ويرى مراقبون أن زيارة البوسعيدي تحمل أبعاداً أبعد من إطار العلاقات الثنائية، في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أخيراً أن إيران “تريد التفاوض”، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها نتيجة اتصالات غير مباشرة جرت عبر وسطاء، تتقدمهم سلطنة عُمان.
وأكد مسؤولون سابقون أن لمسقط تاريخاً طويلاً في لعب دور حلقة الوصل بين الطرفين، خصوصاً في الملفات النووية والأمنية.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن عُمان تعمل خلف الكواليس لتفادي عمل عسكري أميركي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، في وقت يدرس فيه البيت الأبيض خيارات متعددة، تتراوح بين تشديد الضغوط والعقوبات، والانخراط في مسار تفاوضي مشروط.
ويُعتقد أن البوسعيدي نقل رسائل متبادلة تتعلق بإمكانية استئناف المحادثات المتوقفة منذ منتصف العام الماضي، بعد أن أدت ضربات عسكرية إسرائيلية ثم أميركية إلى انهيار المسار الدبلوماسي.
اقتصادياً، تعاني إيران من ضغوط خانقة بفعل العقوبات الأميركية والأوروبية، التي أعيد فرضها منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، وتوسعت لاحقاً مع إجراءات أممية.
ويعتقد محللون أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني متنفساً يحتاجه بشدة، لكنه سيبقى مشروطاً بتنازلات صعبة، تشمل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ودور طهران الإقليمي.
في المقابل، يحذر خبراء من أن الخيارات الأميركية لا تقتصر على الدبلوماسية، في ظل أصوات داخل واشنطن وتل أبيب ترى في الاضطرابات الحالية فرصة للضغط إلى أقصى حد، وربما الدفع نحو تغيير أوسع في إيران.
وبين هذين المسارين، تحاول عُمان تثبيت دورها كوسيط هادئ، يوازن بين احتواء التصعيد وفتح باب تفاوض قد يكون الأخير قبل انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.





