تفاصيل سيطرة الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقية

شارك

تحتفظ الولايات المتحدة بنفوذ واسع على تدفقات عائدات النفط العراقية عبر نظام مالي أُنشئ عقب الغزو الأمريكي عام 2003، بهدف حماية أموال العراق من مطالبات الدائنين وتمويل إعادة الإعمار، لكنه تحول بعد أكثر من عقدين إلى مصدر ضغط محتمل على بغداد، خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها.

وأعاد قرار واشنطن منع شحنة نقدية تبلغ نحو 500 مليون دولار من الوصول إلى العراق في أبريل 2026 تسليط الضوء على هذا الترتيب، الذي يربط وصول بغداد إلى جزء مهم من احتياطياتها الدولارية بالنظام المالي الأمريكي.

وانتقد معين الكاظمي، العضو السابق في اللجنة المالية بالبرلمان العراقي، القرار، معتبراً أن تجميد أو تأخير إرسال المستحقات العراقية من العملات الأجنبية يمثل انتهاكاً للسيادة المالية والسياسية للبلاد. ورغم السماح بإرسال الشحنة لاحقاً، أثارت الواقعة تساؤلات بشأن قدرة العراق على إدارة عائداته بعيداً عن الضغوط الخارجية.

وبدأت ترتيبات إدارة عائدات النفط العراقية في مايو 2003، عندما أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة صندوق التنمية للعراق، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483، لتجميع إيرادات النفط والغاز وتوجيهها إلى إعادة الإعمار والاحتياجات الإنسانية.

وأُودعت العائدات في حساب باسم البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، مع تخصيص خمسة بالمئة منها لتعويض الكويت عن الغزو العراقي عام 1990. وشمل الصندوق أصولاً مجمدة للحكومة العراقية السابقة وفوائض برنامج النفط مقابل الغذاء.

وأُنشئ مجلس دولي للإشراف على الصندوق، ضم ممثلين عن الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بهدف تعزيز الرقابة على إدارة الأموال العراقية وحمايتها من مطالبات الدائنين.

وانتهى النظام المدعوم من الأمم المتحدة عام 2011، بناءً على طلب الحكومة العراقية، لكن بغداد أبقت عائداتها النفطية مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عبر حساب جديد يُعرف باسم “عراق 2″، تُودع فيه الإيرادات قبل تحويلها إلى البنك المركزي العراقي.

وأدى انتهاء الترتيب الدولي السابق إلى فقدان العراق الحماية الشاملة التي وفرتها منظومة الأمم المتحدة، ليصبح أكثر اعتماداً على إجراءات الحماية الأمريكية لأصوله السيادية.

ويرتبط استمرار هذا الترتيب باعتماد العراق على الدولار في تسعير صادرات النفط وتسوية وارداته وتجارته الدولية، إلى جانب مخاوف من تعرض أصوله لمطالبات دائنين تعود إلى عهد النظام السابق، وسط تقديرات بوجود ديون خارجية غير مسددة تبلغ نحو 40 مليار دولار.

وقال أحمد صدام، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة البصرة، إن إبقاء الحساب في نيويورك يوفر حماية لعائدات النفط، ويسهل تسوية المعاملات الدولية ويخفض تكاليف التحويل، لكنه يمنح السلطات الأمريكية القدرة على تقييد وصول الدولار إلى العراق.

وأشار إلى أن نقل الحساب بالكامل إلى دولة أخرى لن يحقق بالضرورة الاستقلال المالي، مقترحاً فتح حسابات سيادية إضافية لدى بنوك مركزية في أوروبا وآسيا، مع الإبقاء على الحساب الحالي في نيويورك.

واقترح صدام بيع ما بين 15 و20 بالمئة من النفط العراقي باليورو واليوان الصيني، والإبقاء على النسبة المتبقية بالدولار، بالتوازي مع تطوير النظام المصرفي العراقي وتوسيع علاقاته المباشرة مع المصارف الدولية.

ويكشف استمرار الترتيب المالي منذ عام 2003 عن تداخل الاعتبارات الاقتصادية والسياسية في إدارة العائدات العراقية، بين فوائد حماية الأموال وتسهيل التجارة الدولية، ومخاطر الاعتماد على نظام يمنح واشنطن نفوذاً على تدفقات الدولار إلى بغداد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً