خطت السعودية خطوة جديدة لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في السودان، عبر توقيع اتفاقية للتنقيب عن الذهب مع الحكومة السودانية المدعومة من الجيش، في تحرك يسلّط الضوء على تصاعد التنافس الخليجي، ولا سيما مع الإمارات العربية المتحدة، على النفوذ في منطقة البحر الأحمر التي تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة.
وأعلنت وزارة المعادن السودانية في 17 فبراير عن توقيع «اتفاقية استراتيجية» مع الشركة السعودية لتكرير الذهب، تشمل أعمال استكشاف وتطوير مناجم ذهب في ولاية البحر الأحمر.
وجاء الاتفاق عقب مشاركة وفد سوداني رسمي في مؤتمر التعدين الدولي الذي استضافته الرياض، في وقت تسعى فيه الخرطوم إلى تنويع شركائها التجاريين والبحث عن بدائل جديدة لتصدير الذهب خارج المسار التقليدي الذي تقوده أبوظبي.
ويمثل الذهب شريانًا اقتصاديًا حيويًا للسودان في ظل الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن البلاد أنتجت نحو 70 طنًا من الذهب خلال العام الماضي، وصدّرت 10.9 أطنان بقيمة تقارب 1.05 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ذهب معظمها إلى الإمارات.
غير أن العلاقات بين القوات المسلحة السودانية وأبوظبي شهدت تدهورًا حادًا، على خلفية اتهامات للجانب الإماراتي بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي بشكل قاطع.
ويأتي التحرك السعودي في سياق أوسع يتقاطع مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تضع قطاع التعدين في صميم خطط تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط.
وبحسب تقديرات رسمية، تمتلك المملكة احتياطيات معدنية غير مستغلة تُقدّر بنحو 2.5 تريليون دولار، فيما أصدرت 61 رخصة استغلال جديدة خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 220% مقارنة بالعام السابق.
وفي هذا الإطار، يتيح الذهب السوداني للرياض فرصة التمركز كلاعب إقليمي بارز في سوق المعادن النفيسة، مع توسيع نفوذها الاقتصادي في أفريقيا.
ويرى مراقبون أن الاتفاقية لا تحمل أبعادًا اقتصادية فحسب، بل تنطوي أيضًا على رسائل جيوسياسية واضحة، خصوصًا في ظل التنافس المتصاعد بين الرياض وأبوظبي على سواحل البحر الأحمر.
وقال المسؤول الأميركي السابق كاميرون هدسون لـ«المونيتور» إن نظرة السعودية إلى سياسات الإمارات في السودان تشكل عاملًا مؤثرًا في مقاربتها هناك، مدفوعة بالرغبة في منع أي قوة إقليمية أو دولية من الهيمنة على السودان أو السيطرة على ساحله الاستراتيجي.
وأضاف أن سيطرة طرف واحد على السودان «ستُعد عاملًا مزعزعًا للاستقرار من وجهة نظر الرياض».
ويعكس هذا التنافس تحولًا تدريجيًا في العلاقات السعودية–الإماراتية، التي شهدت تباعدًا في عدد من الملفات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، أبرزها اليمن، حيث اندلعت في ديسمبر الماضي مواجهات بين جماعات محلية مدعومة من الطرفين.
واليوم، يبدو أن السودان بات ساحة جديدة لتقاطع المصالح وتباين الاستراتيجيات الخليجية، مع تركيز سعودي على الاستثمار والموارد الطبيعية، في مقابل اتهامات متزايدة للإمارات باللعب عبر وكلاء محليين.
وبالنسبة للسلطات السودانية المدعومة من الجيش، تمثل الاتفاقية السعودية فرصة مزدوجة: تأمين مصدر دخل حيوي في ظل تراجع الاقتصاد، وإعادة رسم شبكة التحالفات الخارجية بعيدًا عن طرف باتت العلاقة معه متوترة.
كما تمنح الخرطوم هامش مناورة أوسع في سوق الذهب، عبر فتح قنوات تصدير واستثمار جديدة قد تقلل من اعتمادها السابق على الإمارات.
لكن هذه التحركات لا تخلو من المخاطر. فالحرب الأهلية في السودان أدت إلى نزوح نحو 13 مليون شخص، ولا يزال القتال مستمرًا رغم الجهود الدبلوماسية المتعددة.
كما أن إطار السلام المدعوم من الرباعية التي تضم الولايات المتحدة، السعودية، ومصر، والإمارات لم يحظَ بعد بموافقة أطراف الصراع، ما يجعل أي استثمار أجنبي في قطاع التعدين محفوفًا بالتحديات الأمنية والسياسية.





