فرنسا تكافح لاستعادة السيطرة بعد احتجاجات دامية ومقتل شخصين واعتقال الآلاف

شارك

تواجه فرنسا أزمة أمنية وسياسية متصاعدة بعد عطلة نهاية أسبوع دامية شهدت احتجاجات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة الآلاف، وسط أعمال شغب ونهب وتدمير للممتلكات، في تطورات وضعت السلطات أمام اختبار صعب لاستعادة النظام العام خلال الأشهر الأخيرة من رئاسة إيمانويل ماكرون.

وعقد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو اجتماعًا طارئًا، الاثنين، لبحث سبل احتواء الاضطرابات التي تُعد من بين الأسوأ التي شهدتها البلاد منذ احتجاجات مايو 1968، حين دفعت التحركات الجماهيرية للطلاب والعمال فرنسا إلى حافة الثورة.

وطلب ليكورنو من بعض البلديات فرض حظر تجول جزئي، ولم يستبعد إعلان حالة الطوارئ إذا استدعت التطورات ذلك، مؤكدًا عزمه على استعادة النظام العام. وقال إن فرض حظر تجول جزئي يبدو في المرحلة الحالية الإجراء الأكثر ملاءمة، لكنه شدد على أن الحكومة مستعدة لاتخاذ خطوات إضافية إذا اقتضت الضرورة.

وألقت الشرطة القبض على ما لا يقل عن ألفي شخص خلال الاحتجاجات، بينما تحدثت تقارير عن إصابات خطيرة في صفوف المتظاهرين، بينهم شخصان فقدا أيديهما جراء استخدام القنابل الصوتية. وفي وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول، تسببت قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة في بتر يد صبي يبلغ من العمر 15 عامًا، ما زاد الانتقادات الموجهة إلى أساليب التعامل الأمني مع الاحتجاجات.

ورفض الرئيس ماكرون عرض وزير الداخلية لوران نونيز الاستقالة، رغم اعتراف السلطات بوجود إخفاقات في التوقعات الأمنية وجمع المعلومات الاستخباراتية ساهمت في تفاقم الأزمة. وقررت الرئاسة الإبقاء على نونيز في منصبه للحفاظ على استمرارية القيادة العملياتية، في وقت تكافح فيه الشرطة وقوات الأمن احتواء الاضطرابات.

وقال ماكرون، مساء الأحد، إن من دمروا الممتلكات ونهبوا المتاجر سيحاسبون على أفعالهم، مضيفًا أن كل من يسعى إلى إسقاط الجمهورية سيواجه المساءلة القانونية.

وشهدت شوارع فرنسا، السبت، خروج نحو نصف مليون شخص للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف التعليم الحكومي وتراجع مستوى الخدمات العامة. وألحقت أعمال النهب والتخريب أضرارًا بأكثر من 1500 متجر ومؤسسة تجارية، وفق تقديرات أوردها التقرير.

وبدأت موجة الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول، عندما نظم طلاب ومعلمون إضرابات في ضواحي باريس الفقيرة، مطالبين بزيادة الموارد المخصصة للمدارس التي تعاني نقص التجهيزات والإمكانات. ورغم استجابة السلطات لبعض المطالب، امتدت التحركات إلى مناطق أخرى، مع انضمام مواطنين يعبرون منذ فترة طويلة عن استيائهم من النظام التعليمي والأوضاع الاقتصادية.

وساهمت المواجهات العنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، ولا سيما الطلاب، في توسيع نطاق الغضب الشعبي، بعدما تحولت المطالب المتعلقة بالتعليم والخدمات إلى احتجاجات أوسع على الأوضاع المعيشية وطريقة تعامل السلطات مع المتظاهرين.

وفرضت السلطات في مدينة مرسيليا قيودًا على التجمعات العامة والمظاهرات، الاثنين، من منتصف النهار حتى الثامنة مساءً، بعد أن شهدت المدينة احتجاجات وأعمال نهب خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وعبّر سكان عن صدمتهم من حجم الدمار الذي طال المدينة، وقالت فريدة، وهي من سكان مرسيليا تبلغ 59 عامًا، لوكالة رويترز، إن رؤية مدينتها على هذا النحو أمر مفجع، محذرة من أن استمرار تحطيم واجهات المحلات وتخريب المتاجر يجعل الوضع غير قابل للاستمرار.

وفي باريس، وصف أحد الزوار الأوضاع في نهاية عطلة نهاية الأسبوع بأنها تشبه “منطقة حرب”، في إشارة إلى حجم الأضرار والفوضى التي خلفتها المواجهات.

وتأتي الاضطرابات في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي تحديات مالية واجتماعية متزايدة. فقد تجنبت فرنسا بصعوبة الدخول في ركود اقتصادي خلال الربع الثاني من العام، بينما زادت صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران الضغوط على الاقتصاد.

وحذرت صحيفة وول ستريت جورنال من أن تصاعد الغموض بشأن المستقبل السياسي والمالي لفرنسا أسهم في تباطؤ أحد محركات النمو التقليدية في أوروبا.

وأظهر استطلاع أجراه اتحاد أصحاب العمل الفرنسي «ميديف» حجم القلق في أوساط الشركات، إذ أعرب 82 بالمئة من المشاركين عن تشاؤمهم بشأن السياسات الاقتصادية للحكومة، فيما قال 66 بالمئة إن شركاتهم قد تواجه الإفلاس أو تتعرض لمخاطر مالية أكبر خلال السنوات المقبلة إذا لم تتغير تلك السياسات.

وتضع هذه التطورات حكومة ليكورنو أمام تحديات متزامنة، تتمثل في احتواء العنف واستعادة الأمن وتهدئة الغضب الشعبي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية على ماكرون، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تعميق الأزمة التي تواجهها البلاد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً