يبرز اسم النائب الجمهوري آندي هاريس كأحد أبرز الوجوه التي تجسد التناقض داخل سياسات الهجرة في واشنطن، إذ يجمع بين دعم حملة الترحيل الجماعي التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، والدفع في الوقت ذاته نحو توسيع استقدام العمال الأجانب المؤقتين لدعم الاقتصاد.
ويُعد هاريس، الذي يرأس كتلة الحرية المحافظة في مجلس النواب، من أشد المدافعين عن نهج متشدد تجاه الهجرة غير الشرعية، حيث يدعم سياسات التضييق والترحيل التي تنتهجها إدارة ترامب، في إطار شعار “أمريكا أولاً”.
لكن في المقابل، يستخدم نفوذه السياسي للضغط على الإدارة نفسها من أجل توسيع برنامج تأشيرات العمالة المؤقتة، خاصة برنامج H-2B، الذي يسمح باستقدام عمال أجانب للعمل في وظائف غير زراعية لفترات محددة.
ونجح هاريس بالفعل في إقناع البيت الأبيض برفع سقف عدد التأشيرات الموسمية لهذا العام، ما أتاح نحو 65 ألف فرصة عمل إضافية، بزيادة تقارب 30 ألف تأشيرة عن الأرقام التي أعلنتها الإدارة سابقاً.
وشكل هذا القرار دعماً حيوياً لقطاعات اقتصادية تعتمد على العمالة الموسمية، وفي مقدمتها صناعة المأكولات البحرية في ولاية ماريلاند، حيث يواجه المنتجون نقصاً حاداً في العمالة المحلية منذ عقود.
وفي منطقة الساحل الشرقي لخليج تشيسابيك، يُنظر إلى هاريس باعتباره “منقذاً” للصناعة، بعد نجاحه في تأمين العمال الأجانب الذين يقومون بعمليات دقيقة مثل استخراج لحم سرطان البحر، وهي مهام يصعب شغلها بعمالة محلية.
ويؤكد أصحاب المصانع أن استمرار أعمالهم يعتمد بشكل مباشر على هذه العمالة، في ظل عزوف الأمريكيين عن هذه الوظائف، وتحولهم إلى قطاعات أخرى منذ تسعينيات القرن الماضي.
في المقابل، يواصل هاريس انتقاد أي مقترحات تمنح المهاجرين غير الشرعيين مساراً للحصول على الجنسية، معتبراً أن القضية تتعلق بـ”العمالة المؤقتة” وليس “الهجرة الدائمة”.
ويقول إن استقدام العمال الأجانب يجب أن يتم ضمن إطار منظم يضمن عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، مع الحفاظ على السيطرة على الحدود ومنع الهجرة غير القانونية.
ويعكس هذا الموقف جدلاً متصاعداً داخل الحزب الجمهوري حول تعريف سياسة “أمريكا أولاً”: هل تعني تقليص دخول الأجانب بشكل شامل، أم السماح به بشكل انتقائي لخدمة الاقتصاد؟
ويرى مراقبون أن نهج هاريس يكشف عن انقسام داخل التيار المحافظ، بين جناح متشدد يرفض أي توسع في دخول العمال الأجانب، وآخر براغماتي يدرك حاجة الاقتصاد الأمريكي إلى هذه العمالة.
وفي هذا السياق، يشير خبراء إلى أن الصناعات التي تعتمد على العمالة الموسمية، مثل البناء والسياحة والمأكولات البحرية، تواجه خطر الانكماش في حال تشديد القيود دون بدائل.
كما يسلط الجدل الضوء على مفارقة واضحة: إدارة تسعى إلى ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين، وفي الوقت ذاته تضطر إلى فتح قنوات قانونية لاستقدام عمال أجانب لسد النقص في سوق العمل.
من جانبها، بررت الإدارة الأمريكية زيادة عدد التأشيرات بالحاجة إلى دعم الاقتصاد، خاصة في ظل إلغاء تصاريح عمل لملايين المهاجرين غير النظاميين، ما خلق فجوة في سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، تسعى الإدارة إلى ربط هذه السياسات بمبادرات مثل “اشترِ أمريكياً، وظّف أمريكياً”، عبر فرض شروط تفضّل المنتجات المحلية، ما يتطلب بدوره توفر قوة عاملة كافية داخل البلاد.
في ولاية ماريلاند، تراجع عدد منتجي سرطان البحر من أكثر من 50 شركة في الماضي إلى نحو 12 فقط حالياً، نتيجة نقص العمالة وصعوبات الحصول على تأشيرات، ما يبرز أهمية هذه البرامج لبقاء الصناعة.
ويرى محللون أن استمرار هذا التناقض في السياسات قد يفرض على واشنطن إعادة صياغة مقاربتها للهجرة، بما يوازن بين الاعتبارات الأمنية والاحتياجات الاقتصادية.
في ظل ذلك، يظل موقف هاريس نموذجاً واضحاً لهذا التوتر، حيث يجمع بين خطاب سياسي متشدد وممارسة عملية أكثر مرونة، تعكس واقع الاقتصاد الأمريكي وتعقيدات سوق العمل.
ومع تصاعد الجدل داخل الحزب الجمهوري، تبدو سياسة الهجرة الأمريكية مرشحة لمزيد من الانقسامات، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، التي قد تجعل هذا الملف أحد أبرز محاور الصراع السياسي في البلاد.





