أثار تقرير الوظائف الأمريكي الأخير حالة من الارتباك في الأسواق المالية، بعدما كشف عن تباطؤ غير متوقع في سوق العمل، في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، ما وضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة معقدة بشأن قرار أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب في سبتمبر.
وأظهرت البيانات أن الاقتصاد الأمريكي فقد 23 ألف وظيفة خلال يوليو، في أول انكماش شهري للتوظيف منذ فترة، بالتزامن مع إجراء مراجعات هبوطية لبيانات شهري مايو ويونيو، الأمر الذي أدى إلى انخفاض متوسط الوظائف المضافة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى نحو 20 ألف وظيفة فقط.
ويعد هذا المستوى أقل بكثير من المعدل المطلوب لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ما يعكس تباطؤاً واضحاً في وتيرة التوظيف بعد أشهر من الأداء القوي الذي حافظ عليه الاقتصاد الأمريكي.
ورغم تراجع معدل البطالة إلى 4.1 بالمئة، فإن البيانات أوضحت أن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة تحسن سوق العمل، بل جاء بصورة رئيسية بسبب انخفاض معدل المشاركة في القوى العاملة، وهو ما يعني خروج عدد من الباحثين عن العمل من السوق، بدلاً من حصولهم على وظائف جديدة.
كما أظهر التقرير تباطؤ نمو متوسط الأجور بالساعة إلى 3.2 بالمئة على أساس سنوي، وهو أضعف معدل يسجل منذ نحو خمس سنوات، في إشارة إلى تراجع الضغوط الناجمة عن ارتفاع الأجور، والتي تعد أحد المحركات الرئيسية للتضخم.
وأحدثت هذه البيانات رد فعل سريعاً في الأسواق المالية، حيث تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، كما انخفض الدولار أمام عدد من العملات الرئيسية، وسط توقعات بأن ضعف سوق العمل قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل أي تشديد إضافي للسياسة النقدية.
كما قلص المستثمرون توقعاتهم بشأن رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل، بعدما اعتبروا أن تباطؤ سوق العمل قد يمنح صناع القرار مساحة أكبر للتريث قبل اتخاذ خطوات جديدة.
غير أن الصورة لم تحسم بالكامل، إذ لا تزال توقعات السياسة النقدية مرتبطة بصورة كبيرة ببيانات التضخم المقبلة، والتي ستحدد ما إذا كان ضعف التوظيف كافياً لمنع رفع أسعار الفائدة، أم أن استمرار الضغوط التضخمية سيدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مواصلة التشديد النقدي.
وفي هذا السياق، حذر عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي من أن مخاطر التضخم لا تزال قائمة، وأن عودة الأسعار إلى الارتفاع قد تستدعي اتخاذ إجراءات أكثر صرامة خلال الأشهر المقبلة.
وقال كيفن وارش، المسؤول في الاحتياطي الفيدرالي، إنه سيدعم رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر إذا أظهرت البيانات تسارعاً جديداً في التضخم، مؤكداً أن استقرار الأسعار سيظل الأولوية الرئيسية لصناع السياسة النقدية.
ويتفق مع هذا التوجه عدد من مسؤولي البنك المركزي الأمريكي، من بينهم بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، التي أكدت أن التضخم المرتفع والمستمر لا يزال يمثل أكبر مصدر للقلق بالنسبة للاقتصاد الأمريكي.
كما يتوقع عدد من استراتيجيي الأسواق أن يتبنى الاحتياطي الفيدرالي موقفاً أكثر تشدداً إذا استمرت الضغوط التضخمية، خاصة مع استمرار الاضطرابات في سلاسل إمدادات الطاقة، والتي قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وتعكس هذه التطورات انقساماً متزايداً بين المؤشرات الاقتصادية، إذ تشير بيانات الوظائف إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، بينما لا تزال المخاوف من التضخم تدفع بعض المسؤولين إلى الإبقاء على خيار رفع أسعار الفائدة مطروحاً.
ويضع هذا التباين الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين، حيث سيعتمد القرار النهائي للاحتياطي الفيدرالي على البيانات الاقتصادية المقبلة، وفي مقدمتها مؤشرات التضخم والإنفاق الاستهلاكي، قبل حسم مسار السياسة النقدية خلال اجتماع سبتمبر.





