خلص تحقيق مستقل إلى أن أعمال العنف التي اندلعت في مدينة ليستر البريطانية عام 2022 بين مجموعات من الهندوس والمسلمين كانت مدفوعة جزئيا بتأثير أفكار قومية هندوسية وانتشار واسع للمعلومات المضللة، إضافة إلى إخفاقات خطيرة في أداء الشرطة والقيادة المدنية، مؤكدا أن الاضطرابات كانت غير مسبوقة في تاريخ المدينة وكان من الممكن تفاديها.
وجاءت هذه الخلاصات في تقرير بعنوان “معا أفضل: فهم العنف في ليستر عام 2022″، نشرته اللجنة المستقلة للتحقيق في الأحداث، بعد تحقيق موسع استند إلى مقابلات معمقة مع سكان المدينة، وشهادات مجتمعية، وتحليل محتوى رقمي وخطاب متداول على وسائل التواصل الاجتماعي. وقاد التحقيق فريق من الباحثين في جامعتي SOAS وكلية لندن للاقتصاد.
وأشار التقرير إلى أن التوترات بدأت بالتراكم منذ مايو 2022، لكنها لم تُعالج بجدية من قبل السلطات، قبل أن تتصاعد في أغسطس وسبتمبر إلى أعمال عنف واسعة كشفت عن ثغرات كبيرة في جمع المعلومات الاستخباراتية، والتواصل مع المجتمع، ووضوح القيادة في لحظات حاسمة.
وأكد التحقيق أن أفرادا من المجتمعين الهندوسي والمسلم كانوا ضحايا ومرتكبين للعنف في آن واحد، رافضا تحميل المسؤولية لطرف واحد.
واعتبر أن ما جرى نتج عن تفاعل معقد بين مظالم محلية، وسلوكيات عدائية، وصعوبات اقتصادية واجتماعية، وانتشار أيديولوجيات مستقطِبة غذّتها أطراف خارجية.
ويرأس لجنة التحقيق المحامي الدولي لحقوق الإنسان خوان مينديز، الذي قال خلال إطلاق التقرير إن أحداث 2022 كانت صادمة ومؤلمة لكثير من سكان ليستر، لكنه شدد على أن الهدف من التحقيق ليس توجيه اللوم بل فهم كيف تصاعدت التوترات ولماذا فشلت آليات الحماية، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات.
وأوضح التقرير أن شرارة العنف العلني اندلعت عندما سار نحو 200 شاب هندوسي ملثمين عبر حي هايفيلد وهم يهتفون بشعار ديني مرتبط على نطاق واسع بحوادث عنف ضد المسلمين في الهند.
وأعقبت المسيرة مواجهات في الشوارع، وسط مناخ مشحون سبقته أشهر من الاحتقان.
ولفت التحقيق إلى الدور المحوري الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج الأزمة، حيث انتشرت الشائعات ورسائل التخويف بسرعة، ما ساهم في تضخيم الخوف والعداء. وأكد أن ضعف الاستجابة المؤسسية سمح للمعلومات المضللة بالتحول إلى وقود للعنف.
كما وجّه التقرير انتقادات حادة إلى منظمة جمعية هنري جاكسون اليمينية، واصفا إياها بجهة ذات دوافع سياسية ساهمت في ترويج روايات مشوهة للأحداث، وانسجمت مع خطاب جماعات متحالفة مع القومية الهندوسية، الأمر الذي قوض جهود المصالحة داخل المدينة.
وأشار إلى أن شخصيات مجتمعية أبلغت اللجنة بأن تدخل المنظمة زاد من حدة الاستقطاب بين الهندوس والمسلمين.
وسلط التقرير الضوء أيضا على تأثير شبكات وأفكار قومية هندوسية عابرة للحدود، إلى جانب نشاط بعض التيارات الإسلامية السياسية داخل بريطانيا، معتبرا أن النزعة الطائفية داخل الشتات الجنوب آسيوي لم تحظ بالاعتراف الكافي أو المعالجة الجدية من قبل السلطات المحلية والوطنية.
وفي الوقت نفسه، وثّق التحقيق مظاهر تضامن لافتة بين السكان خلال الاضطرابات وبعدها، حيث تدخل قادة مجتمع وعاملون في مجال الشباب لحماية الجيران وتهدئة الأوضاع، مستندين إلى تاريخ ليستر الطويل في التعايش متعدد الثقافات.
غير أن التقرير حذّر من أن هذه الأصوات الداعية للسلام جرى تهميشها في ذروة الأزمة.
وخلص التحقيق إلى أن العنف لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي الأوسع، بما في ذلك الحرمان الاقتصادي وتراجع خدمات الشباب وأزمة السكن، وهي عوامل أثرت بشكل خاص على فئة الشباب وساهمت في جعلهم أكثر عرضة للتجنيد الأيديولوجي والاستقطاب.
وقدم التقرير حزمة واسعة من التوصيات، شملت الاستثمار طويل الأمد في خدمات الشباب والتعليم والإسكان، واعتماد نموذج للشرطة أكثر خضوعا للمساءلة وقائما على الشراكة مع المجتمع، إضافة إلى استراتيجيات وطنية ومحلية لمواجهة المعلومات المضللة وتعزيز محو الأمية الرقمية.
وأكد مينديز أن دروس ليستر تتجاوز حدود المدينة، محذرا من أن الضغوط الاقتصادية وصعود اليمين المتطرف والاستقطاب الرقمي تمثل تحديات مشتركة أمام مدن بريطانية كثيرة، ما يجعل بناء الثقة والتعايش مسؤولية مستمرة لا تُعالج بإدارة أزمات مؤقتة.





