تشهد سوريا ولبنان مسارين اقتصاديين وسياسيين متباينين بشكل متزايد، رغم أنهما دخلا عام 2025 بقيادات جديدة اعتُبرت نقطة تحول محتملة بعد سنوات من الأزمات والصراعات.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ذا ناشيونال، تبدو سوريا في طريقها نحو انفتاح اقتصادي متسارع وعودة تدريجية للاستثمارات الإقليمية والدولية، بينما لا يزال لبنان غارقاً في أزمات مالية وسياسية وأمنية متشابكة تعيق أي مسار تعافٍ حقيقي.
وأشار التقرير إلى أن اللبنانيين ما زالوا يفتقدون أبسط الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء المستقرة، والاتصالات المنتظمة، وتخفيف الازدحام المروري، وحتى إنشاء مطار ثانٍ، في حين بدأت مشاريع مماثلة تُطرح في سوريا باعتبارها فرصاً استثمارية واعدة.
وقال عماد سلامي إن المستثمرين باتوا ينظرون بشكل أكبر إلى “مدى دخول الدولة في مرحلة من التوطيد السياسي المتوقع” أكثر من تركيزهم على الظروف الاقتصادية الحالية.
وأضاف أن سوريا تستفيد من اتساع مسار التطبيع العربي، والانخراط التركي، وتزايد القبول الأمريكي لإعادة دمجها إقليمياً، ما عزز القناعة بأن النظام السوري تجاوز مرحلة التهديد الوجودي.
وفي إطار خطة إعادة الإعمار، أعلنت المملكة العربية السعودية في فبراير عن حزمة استثمارات ضخمة في سوريا تشمل قطاعات الطاقة والطيران والعقارات والاتصالات، إلى جانب إطلاق صندوق استثماري بقيمة 7.5 مليار ريال سعودي لتطوير مطارين في مدينة حلب.
كما وقعت شركة فلاي ناس وهيئة الطيران المدني السورية اتفاقية لإنشاء شركة “فلاي ناس سوريا”، في خطوة تعكس تصاعد الدعم السعودي لجهود إعادة الإعمار.
وجاءت هذه التحركات بعد تخفيف الولايات المتحدة بعض العقوبات المفروضة على سوريا في ديسمبر الماضي، عقب مشاورات دبلوماسية رفيعة المستوى، من بينها لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في واشنطن.
وأشار التقرير إلى أن الحرب السورية التي استمرت 14 عاماً خلفت نحو 500 ألف قتيل وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية وتسببت في نزوح الملايين، فيما شكلت العقوبات الدولية أحد أكبر عوائق التعافي الاقتصادي.
كما كثفت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة تحركاتهما الاستثمارية في سوريا، بالتوازي مع اهتمام متزايد من شركات تركية وأوروبية وأمريكية بدخول السوق السورية.
وقال وزير الاقتصاد اللبناني السابق ناصر السعيدي إن البنك الدولي يقدّر احتياجات إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، معتبراً أن الرقم الفعلي قد يكون أكبر بكثير.
وأضاف أن سوريا تمتلك “فرصاً استثمارية هائلة” في القطاعين العام والخاص مع انطلاق عملية إعادة الإعمار.
وفي الساحل السوري، تُطرح مشاريع لتحويل مناطق مثل طرطوس واللاذقية إلى مراكز لوجستية وتجارية.
وبدأت شركة موانئ دبي العالمية بالفعل تطوير ميناء طرطوس بموجب اتفاقية امتياز تمتد 30 عاماً مع الحكومة السورية.
وفي قطاع الطاقة، وقعت شركات توتال إنيرجيز وقطر إنيرجي وكونوكو فيليبس اتفاقية مع شركة النفط السورية لإجراء مراجعة فنية للقطاع البحري رقم 3 قرب اللاذقية.
كما وقعت مجموعة stc اتفاقية لتنفيذ مشروع “سيلك لينك” الذي يهدف لتحويل سوريا إلى ممر استراتيجي للبيانات يربط السعودية بتركيا وأوروبا وآسيا.
ويخطط رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار لاستثمار ما يصل إلى 18 مليار دولار في مشاريع متنوعة داخل سوريا.
وقال العبار خلال المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي في دمشق إن هناك “فرصاً استثمارية حقيقية” في قطاع العقارات، مضيفاً أن مدناً مثل دمشق واللاذقية لم تشهد توسعاً عمرانياً منذ سنوات.
كما بدأت سوريا تستعيد موقعها في مشاريع الربط الإقليمي، مع تصاعد الاهتمام بالممرات البرية البديلة نتيجة التوترات في مضيق هرمز.
وأشار السعيدي إلى أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها أهمية متزايدة كممر يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر تركيا، في ظل إعادة تشكيل مسارات التجارة الإقليمية.
وفي المقابل، يواصل لبنان مواجهة أزمات متراكمة منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، التي أدت إلى خسارته طريقه البري نحو الخليج والعراق والأردن، إضافة إلى تدفق نحو مليون لاجئ سوري.
وتفاقمت الأوضاع بعد الأزمة المالية اللبنانية التي انفجرت عام 2019، والتي ربطها اقتصاديون بعقود من الفساد وسوء الإدارة.
وقال عماد سلامي إن لبنان لا يزال يُنظر إليه كساحة صراع بين إيران وإسرائيل، ما يضعف ثقة المستثمرين رغم الروابط الاقتصادية التاريخية مع سوريا.
وأضاف أن استمرار التوتر الأمني، ودور حزب الله، والغموض المحيط بالعلاقات اللبنانية الإسرائيلية، كلها عوامل تعزز المخاوف من تصاعد عدم الاستقرار.
وأشار التقرير إلى أن حزب الله خاض حربين مع إسرائيل منذ عام 2023، ما تسبب في دمار واسع وأدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية اللبنانية، في وقت تواصل فيه إسرائيل شن غارات داخل لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال ناصر السعيدي إن لبنان لا يزال يعاني من تداعيات الحرب والأزمة المالية غير المحلولة، مضيفاً أن غياب الإصلاحات الاقتصادية وخارطة الطريق المدعومة من صندوق النقد الدولي يدفع رؤوس الأموال الخليجية إلى البقاء على الهامش.
كما كشف وزير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي اللبناني كمال شهادي أن لبنان كان قريباً من الإعلان عن استثمار خليجي في القطاع الرقمي، قبل أن تتجدد الحرب وتتوقف المفاوضات.
وفي يناير الماضي، أعلن رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور إلغاء جميع استثماراته المخطط لها في لبنان بسبب استمرار حالة عدم الاستقرار.
ويرى محللون أن أحد أبرز الفوارق بين البلدين يتمثل في مركزية القرار داخل سوريا، مقابل بطء وتعقيد آليات اتخاذ القرار في لبنان بسبب نظام تقاسم السلطة.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن إعلان سوريا رغبتها في تجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل ساهم في تغيير نظرة المستثمرين إلى مستوى المخاطر في البلاد.
وقال الخبير الاستراتيجي عمرو زكريا إن الأوساط الاستثمارية تعتبر أن مواجهة إسرائيل ترفع مستوى المخاطر بشكل لا يرغب المستثمرون في تحمله، مضيفاً أن سوريا “تخلت عن هذا التصور”، بينما لا يزال لبنان عالقاً فيه.





