حثّ قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إيران على استخدام نفوذها لوقف هجمات جماعة أنصار الله الحوثيين على السعودية، محذراً من أن إسلام آباد قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن المملكة إذا طلبت الرياض تفعيل التزاماتها بموجب اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، وفق ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية نقلاً عن مصادر مطلعة على المحادثات.
وأجرى منير اتصالات متكررة مع مسؤولين إيرانيين خلال الفترة الأخيرة، كان آخرها اتصالاً بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين السعودية والحوثيين وتتعرض منشآت حيوية في المملكة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأكدت مصادر باكستانية أن منير طلب من المسؤولين الإيرانيين المساعدة في وقف الهجمات التي تستهدف السعودية وبنيتها التحتية للطاقة، مستنداً إلى الالتزامات التي ترتبت على اتفاقية الدفاع الموقعة بين إسلام آباد والرياض، من دون توجيه تهديد مباشر إلى طهران.
وأفادت المصادر بأن المسؤولين الباكستانيين حثوا إيران على تحذير الحوثيين من مواصلة التصعيد، في ظل مخاوف متزايدة من تحول المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع.
وتقول طهران إن الحوثيين يتصرفون بصورة مستقلة ولا تتدخل في قراراتهم، فيما ترى أطراف إقليمية أن العلاقة بين الجانبين تمنح إيران قدرة على التأثير في مسار التصعيد.
وتزامنت التحركات الباكستانية مع إعلان إسلام آباد تمسكها بتنفيذ اتفاقياتها الدفاعية مع السعودية، مع التأكيد على أن طبيعة أي تحرك عسكري وتوقيته وحجمه تبقى مسائل عملياتية لا تكشف عنها السلطات علناً.
وقال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان إن بلاده ملتزمة “نيةً وروحاً” بتنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية واتفاقية الدفاع الثلاثية مع تركيا، لكنه شدد على أن تفاصيل “متى وكيف وأين” يمكن استخدام القوة تخضع للسرية العملياتية.
وكشفت إسلام آباد كذلك عن وجود “بعض الانتشارات” العسكرية في السعودية بموجب الاتفاقية الثنائية الموقعة بين البلدين في سبتمبر/أيلول 2025، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه القوات أو مهماتها.
وتأتي هذه التطورات بعد توقيع السعودية وباكستان وتركيا الشهر الماضي اتفاقية دفاع ثلاثية عُرفت باسم “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، وتنص على تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، فيما أكدت إسلام آباد وأنقرة أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية.
وأثارت الهجمات الحوثية الأخيرة نقاشاً حول إمكانية تفعيل الاتفاقية، خصوصاً بعدما أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيرة قالت إنها أُطلقت باتجاه منطقة مكة المكرمة. ونفى الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم، لكن الحادث أثار ردود فعل قوية في باكستان ودول أخرى.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن بلاده ستقف إلى جانب السعودية “عملياً ودبلوماسياً” إذا تصاعدت المواجهة، مؤكداً أن اتفاقية الدفاع المشترك أصبحت عنصراً أساسياً في حسابات إسلام آباد تجاه التطورات في المنطقة.
وأعلنت باكستان خلال الأيام الماضية أنها لا تريد الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وتواصل في الوقت نفسه الضغط عبر القنوات الدبلوماسية لوقف التصعيد. وأكدت وزارة الخارجية أن إسلام آباد تدعم السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة، وأنها تفضل الحوار والدبلوماسية على الإجراءات القسرية.
وتواجه باكستان معادلة معقدة في التعامل مع الأزمة، إذ تربطها بالسعودية شراكة دفاعية وسياسية وثيقة، بينما تمتلك في المقابل علاقات تاريخية مع إيران وحدوداً مشتركة معها. ويجعل ذلك أي تدخل عسكري مباشر في اليمن قراراً ذا تبعات إقليمية واسعة بالنسبة لإسلام آباد.
وتشير تقديرات نقلتها “فايننشال تايمز” إلى أن شكل أي مساعدة باكستانية محتملة سيعتمد على طبيعة الطلب السعودي، وما إذا كانت الرياض ستسعى إلى دفاع جوي واعتراض الطائرات المسيّرة، أم إلى مشاركة أوسع في العمليات العسكرية ضد مواقع إطلاق الحوثيين داخل اليمن.
وتأتي الضغوط الباكستانية على إيران في وقت تتصاعد فيه المخاطر على أسواق الطاقة والملاحة، مع امتداد الهجمات إلى منشآت نفطية وممرات بحرية استراتيجية.
وأفادت رويترز بأن التحركات الدبلوماسية لاحتواء الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية ساهمت في تهدئة أسعار النفط مؤقتاً، بينما لا تزال المخاطر المرتبطة باستمرار التصعيد قائمة.
وتبقى السعودية حتى الآن الطرف الذي يحدد طبيعة وحجم أي طلب للدعم الخارجي، في حين تواصل باكستان محاولة الضغط على إيران لاحتواء هجمات الحوثيين، تفادياً لتحول المواجهة إلى اختبار مباشر للاتفاقيات الدفاعية الجديدة وفتح جبهة إقليمية إضافية.





