أعلنت السلطات القضائية في العراق عن مصادرة 20.34 مليون دولار نقداً و60 كيلوغراماً من الذهب وسبع مركبات، في إطار تحقيق واسع في شبهات فساد وهدر أموال مرتبطة بمشاريع تكرير النفط، في واحدة من أبرز حملات مكافحة الفساد التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت السلطات أن الأصول المصادرة مرتبطة بعدنان الجميلي، نائب وزير النفط لشؤون التكرير والمدير العام السابق لشركة مصافي النفط الشمالية، الذي أوقف في مايو/أيار الماضي على خلفية تحقيقات تتعلق بمزاعم هدر واختلاس في مشاريع تابعة لوزارة النفط.
وأكد المجلس الأعلى للقضاء أن قاضي التحقيق في المحكمة الجنائية المركزية لمكافحة الفساد نفذ عمليات المصادرة بالتنسيق مع سلطات إقليم كردستان العراق.
وأشار المجلس إلى أن الإجراءات شملت مبالغ مالية ومجوهرات ذهبية ومركبات، فيما لم يكشف عن القيمة الإجمالية للأصول الأخرى التي يجري تتبعها.
وقال القضاء إن عمليات المتابعة والتحقيق التي استهدفت العائدات المالية الناتجة عن الهدر في المشاريع المنفذة من قبل المتهم والأطراف المرتبطة بالقضية أسفرت عن ضبط الأموال والذهب والمركبات.
وأضاف أن التحقيقات وملاحقة أطراف أخرى يشتبه في تورطها لا تزال مستمرة إلى حين استكمال الإجراءات القانونية.
وتتركز التحقيقات على عقود وأموال مخصصة لتحديث وتشغيل مصافي النفط، وسط شبهات بأن الأموال والعقود جرى تحويلها عبر شبكة من الشركات والوسطاء.
ويشير ضبط مبالغ نقدية كبيرة وكمية من الذهب في بغداد وأربيل إلى أن المحققين يتتبعون أصولاً يشتبه في نقلها بين المناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
ولا تزال القضية في مرحلة التحقيق، فيما يبقى الجميلي محتجزاً بانتظار المحاكمة، ولم تعلن السلطات القضائية حتى الآن تفاصيل نهائية بشأن التهم التي ستوجه إليه أو حجم الأموال التي يُعتقد أنها أهدرت أو اختُلست.
وتأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه الحكومة العراقية حملتها ضد الفساد، وتضع استرداد الأموال والأصول في صدارة أهدافها، إلى جانب ملاحقة المسؤولين المتهمين بالتورط في عمليات اختلاس أو هدر للمال العام.
ومنذ توليه منصبه في مايو/أيار، أمر رئيس الوزراء علي الزيدي بسلسلة من الاعتقالات ومصادرة الأصول التي استهدفت مسؤولين كباراً في وزارات النفط والكهرباء وغيرها، في حملة تقول الحكومة إنها تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة على الموارد والمؤسسات.
وتسعى السلطات إلى تجاوز نموذج مكافحة الفساد القائم على الملاحقة القضائية وحدها، من خلال التركيز على استرداد الأموال والأصول التي يُعتقد أنها نتجت عن عمليات فساد، وإعادتها إلى خزينة الدولة.
وتعمل السلطات القضائية، وفق المعطيات المعلنة، بالتنسيق مع هيئة النزاهة ووحدات الاستخبارات المالية والسلطات في إقليم كردستان لتعقب الأموال والأصول المرتبطة بالقضايا المفتوحة.
ويحتل قطاع النفط موقعاً مركزياً في الحملة، نظراً إلى اعتماده الأساسي في تمويل الدولة العراقية. ويواجه القطاع منذ سنوات اتهامات تتعلق بالتسريب والتهريب والعقود المبالغ في قيمتها، بينما تثير مشاريع التكرير حساسية خاصة بسبب استمرار العراق في استيراد كميات كبيرة من الوقود رغم امتلاكه احتياطيات ضخمة من النفط الخام.
وتسلط قضية الجميلي الضوء على هذه المفارقة، إذ يأتي التحقيق في مشاريع مرتبطة بتحديث المصافي وتشغيلها في وقت يحاول فيه العراق تقليل اعتماده على استيراد المنتجات النفطية وتعزيز قدرته على تكرير الخام محلياً.
وتعتبر الحكومة استعادة الأموال جزءاً من معركة أوسع لاستعادة ثقة العراقيين بمؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والحاجة إلى تمويل الخدمات العامة ومشاريع التنمية.
كما تربط السلطات حملة مكافحة الفساد بمحاولة أوسع لتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية على الموارد العامة، في ظل نفوذ سياسي واقتصادي متراكم لأحزاب وشبكات مصالح داخل قطاعات حيوية، وفي مقدمتها النفط والكهرباء.
وتضع الحكومة العراقية أمامها هدفين متوازيين: مواصلة الاعتقالات والتحقيقات من جهة، وتحويل الأموال والأصول المستردة إلى موارد فعلية للدولة من جهة أخرى.
ويُنظر إلى نجاح القضاء في إصدار أحكام نهائية واستعادة الأموال باعتباره اختباراً حاسماً لقدرة الحملة على الاستمرار وعدم تحولها إلى موجة اعتقالات مؤقتة.
وتتزامن الحملة كذلك مع ضغوط سياسية وأمنية أوسع تواجهها بغداد، بما في ذلك مساعي إصلاح مؤسسات الدولة والبحث في ملف السلاح خارج إطارها الرسمي.





