وفاة رجلين من أصول مغاربية خلال عمليات أمنية تشعل جدلاً حول عنف الشرطة في إيطاليا

شارك

أعادت وفاة رجلين من أصول شمال إفريقية خلال عمليات نفذتها قوات الأمن الإيطالية إشعال الجدل حول استخدام القوة من جانب الشرطة، وسط اتهامات من نشطاء ومنظمات حقوقية بوجود أنماط من التمييز ضد العرب والمهاجرين، بينما فتحت السلطات القضائية تحقيقات في ملابسات الحادثتين.

وتوفي عبد الرحيم فقير، وهو رجل من أصل مغربي يبلغ من العمر 42 عاماً، في مدينة بولونيا بعد تدخل أمني استُدعي إثر بلاغ أفاد بأنه كان في حالة اضطراب ويطرق أبواب مرائب سكنية، وفقاً للسلطات.

وأظهرت مقاطع فيديو تداولتها وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي فقير مكبل اليدين ومثبتاً على الأرض من قبل عناصر الشرطة لعدة دقائق، بينما كان يطلب المساعدة، كما ظهر في التسجيل أفراد من الصليب الأحمر الإيطالي في مكان الحادث دون تدخل طبي خلال فترة التصوير.

وأثار انتشار الفيديو موجة غضب واسعة داخل إيطاليا، ودفع النيابة العامة إلى فتح تحقيق في الواقعة للاشتباه في جريمة قتل غير عمد، في حين طالب سياسيون ومنظمات حقوقية بإجراء تحقيق مستقل لكشف ملابسات الوفاة.

وبعد أربعة أيام فقط، توفي محمد أمين بسيود، البالغ من العمر 25 عاماً والمولود في إيطاليا لوالدين تونسيين، بعدما سقط من شرفة في الطابق الثالث أثناء تنفيذ قوات الدرك الإيطالية عملية تفتيش في مدينة كوزنسا جنوب البلاد.

وقالت والدة بسيود، في تصريحات لوسائل إعلام إيطالية، إن ابنها كان يعاني من الاكتئاب، وإنه أصبح يخشى عمليات التفتيش الأمنية المتكررة، مدعية أنه كان يشعر بأنه يتعرض لمضايقات من أحد أفراد الشرطة، فيما باشرت النيابة العامة تحقيقاً منفصلاً في ظروف وفاته.

وأثارت الحادثتان احتجاجات في عدة مدن إيطالية، حيث خرج آلاف المتظاهرين في بولونيا للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن وفاة فقير، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى مدن أخرى، وشهد بعضها مواجهات محدودة بين متظاهرين وقوات مكافحة الشغب.

واتهمت أحزاب ومنظمات يسارية السلطات المحلية والحكومة الإيطالية بالاعتماد على المقاربة الأمنية في التعامل مع الأحياء الفقيرة التي تضم أعداداً كبيرة من المهاجرين، بدلاً من الاستثمار في برامج التنمية والخدمات الاجتماعية.

من جهتها، دافعت نقابات الشرطة وعدد من السياسيين المنتمين إلى اليمين عن أداء قوات الأمن، وانتقدوا ما وصفوه بمحاولات تحميل الشرطة مسؤولية الأحداث قبل انتهاء التحقيقات القضائية.

ويرى ناشطون ومحامون أن الحادثتين لا يمكن فصلهما عن سلسلة من الوقائع السابقة التي أثارت جدلاً بشأن تعامل الشرطة مع أشخاص من أصول مهاجرة، مستشهدين بحوادث شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من بينها مقتل يونس البسطاوي عام 2021، ووفاة رامي الجمل بعد مطاردة للشرطة في ميلانو عام 2024، إضافة إلى مقتل عبد الرحيم منصوري خلال عملية أمنية في مطلع العام الجاري.

وقال المحامي الإيطالي من أصل مغربي عمر قريشي إن التشريعات الأمنية التي أُقرت خلال السنوات الأخيرة منحت السلطات صلاحيات أوسع، معتبراً أن تطبيقها يؤثر بصورة أكبر على الأشخاص المنحدرين من أصول عربية وإفريقية.

ومنذ وصول حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى السلطة عام 2022، أقرت السلطات الإيطالية سلسلة من القوانين والتدابير الأمنية التي تقول الحكومة إنها تستهدف تعزيز الأمن العام ومكافحة الجريمة والهجرة غير النظامية، بينما ترى منظمات حقوقية أن بعض تلك الإجراءات قد تؤدي إلى توسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون على حساب الحقوق المدنية.

وقال الباحث والناشر الإيطالي إيمانويل جوناثان بيليا إن تاريخ عمل الشرطة في إيطاليا شهد استخداماً متكرراً للأدوات الأمنية في التعامل مع الفئات المهمشة، معتبراً أن الأحياء التي يقطنها مهاجرون وعرب أصبحت أكثر عرضة للإجراءات الأمنية المكثفة.

كما رأت المعالجة النفسية كاميلا بونتي أن الصور النمطية التي تربط المهاجرين والجاليات غير البيضاء بالجريمة والعنف تسهم في ترسيخ ممارسات تمييزية داخل المجتمع، معتبرة أن العنف المؤسسي يسبقه في كثير من الأحيان خطاب ثقافي وإعلامي يعزز هذه التصورات.

من جانبها، قالت الصحفية الإيطالية من أصل باكستاني سارة تنوير إن وسائل الإعلام الإيطالية كثيراً ما تربط العرب والمسلمين بقضايا الإرهاب أو الأمن، معتبرة أن هذا النمط من التغطية يؤثر في الرأي العام ويضعف التعاطف مع الضحايا عند وقوع حوادث مماثلة.

كما أشار نشطاء إلى أن الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في إيطاليا شهدت خلال الأشهر الماضية توقيف عدد من المنظمين والناشطين بموجب تحقيقات تتعلق بقضايا أمنية وإرهابية، وهو ما يقولون إنه يعكس اتجاهاً متزايداً نحو توظيف التشريعات الأمنية في التعامل مع بعض الفئات والنشاطات السياسية، في حين تؤكد السلطات الإيطالية أن الإجراءات المتخذة تستند إلى مقتضيات الأمن وتطبيق القانون.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً