الحرب في إيران تربك سياسة العقوبات وارتفاع النفط يخفف الضغط الغربي على روسيا

النفط الروسي

شارك

أدى التصعيد العسكري في إيران إلى تداعيات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، إذ تسبب ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب في إضعاف الضغوط الاقتصادية التي فرضها الغرب على روسيا منذ سنوات، ما يضع واشنطن أمام معادلة معقدة بين إدارة الحرب الحالية والحفاظ على نظام العقوبات ضد موسكو.

فمع اشتداد القتال في الخليج وتعطل جزء من حركة النفط عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة العالمية بشكل ملحوظ، الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية على اتخاذ إجراءات استثنائية لضمان استقرار الأسواق. ومن بين هذه الإجراءات منح إعفاءات مؤقتة تسمح بتخفيف بعض القيود المفروضة على النفط الروسي.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية الأسبوع الماضي إعفاءً لمدة شهر واحد من العقوبات المفروضة على النفط الروسي، في خطوة أثارت جدلاً بين الحلفاء الغربيين الذين يرون أن هذه السياسة قد تضعف نظام العقوبات الذي بُني خلال العقد الماضي.

وجاء القرار بعد إعفاء محدود سابق سمح للهند بشراء النفط الروسي، في محاولة لتخفيف الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية مع استمرار التوترات في الخليج.

وتنطبق الإعفاءات الأمريكية الجديدة فقط على شحنات النفط الروسي الموجودة بالفعل على ناقلات في البحر، ما يعني أن الهدف منها هو تحرير كميات محدودة من الإمدادات الموجودة مسبقاً في السوق.

ويأتي هذا القرار في ظل استمرار إيران في تعطيل جزء كبير من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من النفط المتداول في العالم.

وتأمل واشنطن أن يساعد ضخ المزيد من النفط في الأسواق على احتواء الارتفاع الحاد في الأسعار، إلا أن هذه الإجراءات لم تحقق حتى الآن النتائج المرجوة.

فقد ارتفع سعر خام برنت، وهو المعيار العالمي لأسعار النفط، بنحو ثلاثة في المائة في نهاية الأسبوع ليصل إلى نحو 103 دولارات للبرميل، في مؤشر على استمرار الضغوط على سوق الطاقة.

ويرى خبراء أن حجم النفط الذي يشمله الإعفاء الأمريكي قد لا يكون كافياً لإحداث تأثير ملموس على الأسعار.

وقال ريتشارد نيفيو، الباحث في مركز سياسات الطاقة العالمية، إن الكمية المتاحة نتيجة الإعفاءات تعادل ما يكفي لتعويض تدفق النفط عبر مضيق هرمز لمدة تتراوح بين ثمانية وعشرة أيام فقط.

وأضاف أن هذا الحجم قد لا يكون كافياً لإحداث تغيير حقيقي في توازن العرض والطلب في السوق العالمية.

لكن التأثير الأبرز لهذه الخطوة قد يكون سياسياً أكثر منه اقتصادياً، إذ يخشى خبراء من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى تقويض نظام الضغط الذي فرضه الغرب على روسيا منذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.

فقد استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها العقوبات الاقتصادية كأداة رئيسية لإضعاف الاقتصاد الروسي وتقليص قدرته على تمويل العمليات العسكرية، خاصة الحرب في أوكرانيا.

ويقول إيدي فيشمان، الذي كان مسؤولاً عن ملف العقوبات في وزارة الخارجية الأمريكية خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، إن الإعفاءات الحالية تمثل أول تخفيف كبير للعقوبات على روسيا منذ سنوات.

وأضاف أن هذه الخطوة قد تهدد بتفكيك النظام الذي بُني منذ عام 2014 لفرض ضغوط اقتصادية متواصلة على موسكو.

كما يحذر خبراء من أن تخفيف القيود حتى بشكل مؤقت قد يقلل من الوصمة المرتبطة بشراء النفط الروسي، وهو ما قد يجعل من الصعب إعادة فرض القيود الصارمة لاحقاً.

وترى كاري هيرمان، الباحثة في معهد بروكينغز والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، أن الإدارة الأمريكية تواجه حالياً أزمة تتطلب تحديد الأولويات.

وأوضحت أن واشنطن تحاول تحقيق ثلاثة أهداف متعارضة في الوقت نفسه، وهي خفض أسعار الوقود في الداخل، وإدارة الحرب في إيران، ومواصلة الضغط على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.

وقالت إن الإدارة الأمريكية اختارت في هذه المرحلة إعطاء الأولوية لاستقرار أسعار الطاقة والتعامل مع الأزمة الإيرانية، حتى لو أدى ذلك إلى تخفيف الضغوط على موسكو مؤقتاً.

كما غيرت الحرب مع إيران قدرة طهران على استخدام أدواتها الاقتصادية في المواجهة مع الغرب.

فإغلاق مضيق هرمز كان دائماً أحد أقوى الأسلحة الاقتصادية التي تملكها إيران، لكنه لم يُستخدم بشكل كامل في الماضي لعدم وجود مبرر سياسي واضح.

أما الآن، فقد وفرت الحرب الحالية لطهران ذريعة لتقييد حركة الملاحة في المضيق، ما يضاعف الضغط على أسواق الطاقة العالمية.

وفي محاولة لطمأنة الحلفاء، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الإعفاءات المؤقتة لن توفر مكاسب مالية كبيرة للحكومة الروسية.

وأكد أن الهدف من هذه الخطوة هو الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية في ظل التوترات الحالية.

من جانبه، قال البيت الأبيض إن فريق الطاقة في الإدارة يركز على ضمان استقرار الأسواق ومنع حدوث صدمات كبيرة في أسعار النفط.

وأوضح المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي أن تخفيف العقوبات على النفط الروسي العالق في البحر يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لدعم الإمدادات العالمية.

وتشمل هذه الاستراتيجية أيضاً استخدام آليات تأمين جديدة لشحنات الطاقة وتوسيع التعاون مع أسواق أخرى مثل فنزويلا.

ويبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستعيد فرض العقوبات كاملة بعد انتهاء الإعفاء المؤقت، خصوصاً إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً

المزيد من المقالات

مضيق هرمز

اقتصادات الكويت وقطر الأكثر تضرراً إذا استمرت الحرب في الخليج حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب في الخليج قد يوجه ضربة قوية لاقتصادات المنطقة، مع توقعات بأن تكون الكويت وقطر الأكثر تضرراً في حال استمرار الصراع وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة. وأفادت تقديرات صادرة عن بنك غولدمان ساكس، نقلتها وكالة بلومبرغ، بأن استمرار الحرب حتى شهر أبريل مع توقف الملاحة في مضيق هرمز لمدة شهرين قد يؤدي إلى انكماش اقتصاد كل من قطر والكويت بنسبة تصل إلى 14 في المئة خلال العام الحالي. وقال الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى البنك فاروق سوسة إن هذا السيناريو قد يمثل أسوأ ركود اقتصادي تشهده الدولتان منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت اضطرابات كبيرة في أسواق النفط بعد غزو العراق للكويت وما تبعه من اندلاع حرب الخليج، وهو ما أدى آنذاك إلى هزة اقتصادية واسعة في المنطقة. وأوضح التقرير أن استمرار الحرب الحالية يهدد بتعطيل قطاع الطاقة والقطاعات الاقتصادية الأخرى في الخليج، ما يخلق ما وصفه الخبراء بـ”سيناريو اقتصادي شديد الخطورة” لدول المنطقة. وتمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس صادرات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي. وبحسب التقرير، فإن توقف الملاحة في هذا الممر الحيوي لمدة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل صادرات الطاقة من الخليج، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات الدول المنتجة للنفط والغاز. وأوضح التقرير أن التأثير الاقتصادي للحرب لن يكون متساوياً بين دول الخليج. ففي حين يُتوقع أن تتعرض قطر والكويت لأشد الضربات الاقتصادية، فإن وضع السعودية والإمارات قد يكون أقل تضرراً نسبياً. ويرجع ذلك إلى قدرة البلدين على تصدير النفط عبر طرق بديلة بعيداً عن مضيق هرمز، ما يسمح لهما بالحفاظ على جزء من صادرات الطاقة حتى في حال تعطل الملاحة في المضيق. ورغم ذلك، يتوقع الخبراء أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو ثلاثة في المئة في السعودية وخمسة في المئة في الإمارات إذا استمر الصراع، وهو ما يمثل أكبر تراجع اقتصادي منذ أزمة جائحة كوفيد عام 2020. وأشار سوسة إلى أن التأثير الاقتصادي للحرب قد يكون في المدى القصير أكبر من تأثير جائحة كورونا، موضحاً أن التعافي الاقتصادي سيبقى ممكناً بعد انتهاء الصراع، لكن حجم الضرر الذي قد يلحق بثقة المستثمرين لا يزال غير واضح. وسجلت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات كبيرة نتيجة الحرب، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 103 دولارات للبرميل مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وإغلاق بعض الإنتاج النفطي في دول خليجية. كما تأثرت أسواق الغاز العالمية بسبب تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أحد أكبر موردي الغاز في العالم. وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الصناعات الثقيلة في المنطقة تتأثر بالأزمة، إذ خفضت البحرين إنتاجها في أحد أكبر مصانع الألمنيوم في العالم نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالملاحة في المضيق. ويرى عدد من الاقتصاديين أن السعودية قد تكون الأفضل أداءً إذا طال أمد الحرب، خاصة في ظل استمرار قدرتها على حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية من الهجمات. كما قد تستفيد المملكة من ارتفاع أسعار النفط، ما قد يساعدها على تقليص العجز المالي المتوقع في السنوات المقبلة. ورغم هذه التحديات، تشير التقديرات إلى أن أسواق الدين العالمية لا تزال تتعامل مع الأزمة بهدوء نسبي، إذ لم يظهر مستثمرو السندات حتى الآن قلقاً كبيراً من تداعيات الحرب على الوضع المالي لدول الخليج. لكن محللين حذروا من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يغير هذه الحسابات، ويضع اقتصادات المنطقة أمام ضغوط مالية واقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة.