شهدت العلاقة بين حزب الإصلاح البريطاني، بقيادة نايجل فاراج، ودولة الإمارات تطوراً لافتاً خلال الأشهر الأخيرة، في تحول أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية البريطانية بشأن طبيعة التقارب بين الطرفين، ودلالاته السياسية، واحتمالات تأثيره على مستقبل العلاقات البريطانية الخليجية إذا وصل الحزب اليميني إلى السلطة.
ويأتي هذا التقارب بعدما كان فاراج نفسه قد وجه انتقادات حادة للإمارات قبل سنوات، معتبراً أن سجلها في حقوق الإنسان لا ينسجم مع امتلاكها نفوذاً داخل المؤسسات الإعلامية البريطانية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى الإشادة بالتجربة الإماراتية واعتبارها نموذجاً يمكن لبريطانيا الاستفادة منه في عدد من الملفات.
وبحسب معطيات متداولة داخل الأوساط السياسية البريطانية، تكثفت الاتصالات بين شخصيات بارزة في حزب الإصلاح ومسؤولين إماراتيين منذ أواخر عام 2025، بالتزامن مع صعود الحزب في استطلاعات الرأي وتزايد التوقعات بإمكانية تحوله إلى قوة سياسية مؤثرة خلال الانتخابات المقبلة.
وشارك فاراج في فعاليات عدة أقيمت في دبي، حيث ألقى كلمات أشاد فيها بالنموذج الاقتصادي الإماراتي، واعتبر أن بريطانيا تمتلك الكثير مما يمكن تعلمه من تجربة الدولة الخليجية في مجالات الاستثمار والإدارة الاقتصادية والتنمية الحضرية.
كما أبدى إعجابه بالإجراءات الإماراتية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، مؤكداً أن حزبه سيتبنى سياسات مشابهة إذا وصل إلى الحكم، في موقف يعكس تقارباً واضحاً مع أولويات السياسة الخارجية الإماراتية في المنطقة.
ولم يقتصر التقارب على فاراج وحده، إذ برزت شخصيات قيادية أخرى داخل الحزب تربطها علاقات وثيقة بالإمارات، من بينها نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس، الذي دافع أكثر من مرة داخل البرلمان البريطاني عن مواقف تتقاطع مع الرواية الإماراتية في ملفات إقليمية، أبرزها السودان ومواجهة جماعة الإخوان المسلمين.
وسبق لتايس أن طالب الحكومة البريطانية باتخاذ إجراءات ضد عدد من المؤسسات التي صنفتها الإمارات ضمن قوائم الإرهاب، معتبراً أن لندن ينبغي أن تأخذ هذه التصنيفات على محمل الجد، وهو ما أثار آنذاك انتقادات منظمات حقوقية بريطانية.
وفي الوقت نفسه، عزز عدد من رجال الأعمال المقربين من الحزب حضورهم الاقتصادي في الإمارات، بينما شارك مسؤولون حاليون وسابقون في الحزب في مؤتمرات وفعاليات اقتصادية استضافتها أبوظبي ودبي، وسط حديث عن تنامي شبكة المصالح الاقتصادية بين الجانبين.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب يتجاوز المصالح التجارية، ليشمل تقاطعاً في عدد من الرؤى السياسية، خاصة ما يتعلق بمكافحة الإسلام السياسي، وتشديد سياسات الهجرة، وتعزيز الدولة المركزية، وهي ملفات تشكل ركائز رئيسية في خطاب حزب الإصلاح.
ويستشهد الحزب بالنموذج الإماراتي في ملف الهجرة، إذ سبق أن طرح مقترحات لإلغاء نظام الإقامة الدائمة واستبداله بتأشيرات عمل مؤقتة، مستلهماً النظام المعمول به في الإمارات، وهو ما أثار انتقادات حقوقية واسعة داخل بريطانيا.
وفي المقابل، تنظر أبوظبي إلى حزب الإصلاح باعتباره قوة سياسية صاعدة قد تمتلك مستقبلاً نفوذاً واسعاً داخل المشهد البريطاني، ما يدفعها إلى بناء قنوات تواصل مبكرة مع قياداته، تحسباً لأي تغيرات سياسية قد تشهدها المملكة المتحدة.
ويرى محللون أن الإمارات تعتمد منذ سنوات سياسة تقوم على توسيع شبكة علاقاتها مع مختلف القوى السياسية الغربية، وعدم الاكتفاء بالتواصل مع الحكومات القائمة، بهدف الحفاظ على نفوذها بغض النظر عن نتائج الانتخابات.
كما يشير مراقبون إلى أن فاراج يتمتع بحضور إعلامي وسياسي واسع داخل الأوساط المحافظة في بريطانيا والولايات المتحدة، وهو ما يمنحه قدرة على التأثير في النقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط والهجرة والسياسات الأمنية، الأمر الذي يعزز أهمية العلاقة بالنسبة للإمارات.
في المقابل، أثار هذا التقارب انتقادات من شخصيات سياسية وحقوقية بريطانية، اعتبرت أن الإشادة بالنموذج الإماراتي تتجاهل الانتقادات الدولية المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان وحرية التعبير، فضلاً عن أوضاع العمالة الوافدة.
كما حذرت منظمات حقوقية من أن استلهام بعض السياسات الإماراتية، خصوصاً في ملفات الهجرة والتنظيمات الإسلامية، قد يؤدي إلى تقويض الحريات المدنية داخل بريطانيا إذا تبناها حزب الإصلاح مستقبلاً.
ويأتي هذا التقارب أيضاً في وقت تواجه فيه العلاقات البريطانية الإماراتية تحديات متزايدة على خلفية ملفات إقليمية عدة، من بينها السودان، وهو ما دفع أبوظبي إلى توسيع دائرة اتصالاتها السياسية مع قوى جديدة داخل المشهد البريطاني.
ويعتقد مراقبون أن تطور العلاقة بين الإمارات وحزب الإصلاح يعكس تحولات أوسع في طبيعة النفوذ السياسي الخليجي داخل أوروبا، حيث لم يعد يقتصر على الحكومات التقليدية، بل بات يمتد إلى الأحزاب الصاعدة والتيارات اليمينية التي يتوقع أن تلعب دوراً أكبر في السنوات المقبلة.





