نموذج الإمارات لتصفير البيروقراطية يتحول إلى تجربة عالمية لدعم خلق الوظائف للشباب

شارك

برز نموذج الإمارات في خفض الإجراءات الحكومية والانتقال نحو الخدمات الرقمية باعتباره إحدى التجارب التي يجري طرحها دوليًا لمساعدة الاقتصادات النامية على مواجهة تحدي توفير فرص العمل لمئات الملايين من الشباب خلال العقد المقبل.

ويأتي ذلك في وقت يحذر فيه خبراء التنمية من أن نحو 1.2 مليار شاب سيدخلون سوق العمل في الدول النامية خلال السنوات العشر القادمة، وهو رقم يعادل تقريبًا عدد سكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والبرازيل مجتمعين.

وتشير التقديرات إلى أن الاقتصادات الحالية لن تكون قادرة على توفير فرص كافية لاستيعاب هذه الأعداد الضخمة، ما يضع الحكومات أمام تحديات متزايدة تتعلق بالنمو الاقتصادي والاستثمار وبيئة الأعمال.

وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بنقص الموارد أو غياب المبادرات، بل بالعوائق الإدارية التي تعرقل إنشاء الشركات والاستثمار، وفي مقدمتها التعقيدات البيروقراطية، وأنظمة الترخيص الطويلة، وكثرة الإجراءات الورقية.

وتؤدي هذه العقبات في العديد من الدول إلى إبطاء نمو القطاع الخاص، وتقليل فرص تأسيس المشاريع الجديدة، وإضعاف قدرة الاقتصادات على خلق الوظائف.

وفي هذا السياق، تقدم الإمارات تجربتها في برنامج “تصفير البيروقراطية الحكومية” باعتباره نموذجًا يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين والشركات.

ومنذ إطلاق البرنامج عام 2023، نجحت الإمارات في إلغاء أكثر من 15 ألف إجراء ومتطلب ووثيقة وخطوة إدارية اعتُبرت غير ضرورية، وهو ما ساهم في تقليل زمن إنجاز الخدمات وخفض تكاليف الامتثال وتوفير ملايين الساعات التي كانت تضيع في الإجراءات التقليدية.

وتقوم الفكرة الأساسية للبرنامج على أن تحديث الإدارة الحكومية لا يعني فقط تحويل الإجراءات الورقية إلى خدمات رقمية، بل مراجعة الحاجة إلى هذه الإجراءات من الأساس وإلغاء ما لا يقدم قيمة حقيقية.

ويرى القائمون على التجربة أن كل إجراء يتم حذفه يعني تكلفة أقل للشركات، وكل موافقة غير ضرورية يتم إلغاؤها تعني سرعة أكبر في الاستثمار، وكل ساعة يتم توفيرها يمكن توجيهها نحو الإنتاج والابتكار.

وفي إطار نقل هذه التجربة، دخلت مجموعة البنك الدولي في شراكة مع مكتب رئاسة مجلس الوزراء الإماراتي بهدف الاستفادة من نموذج تصفير البيروقراطية في دعم إصلاح الخدمات الحكومية في دول أخرى.

وتركز الشراكة على تطوير الخدمات الرقمية العامة، وتبسيط الإجراءات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحديث العمل الحكومي، بهدف تخفيف الأعباء على المواطنين والشركات والموظفين الحكوميين.

وتطمح الإمارات إلى الوصول إلى نموذج حكومي يعتمد بشكل واسع على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، من خلال خدمات أسرع وأكثر تكاملًا.

وتشير التجارب الأولية إلى إمكانية تطبيق بعض عناصر النموذج خارج الإمارات. ففي عام 2025، شاركت وفود حكومية من رواندا وزيمبابوي في برنامج لتبادل الخبرات مع الإمارات ومجموعة البنك الدولي، بهدف دراسة إمكانية نقل بعض الممارسات الإدارية.

وبعد العودة، بدأت رواندا باستخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في مجال إصدار تراخيص البناء، ما أدى إلى تقليص زمن المعالجة بنسبة كبيرة. كما بدأت زيمبابوي تطوير بوابة خدمات حكومية موحدة ونظام هوية رقمية مستوحى من التجربة الإماراتية.

ويرى البنك الدولي أن تحسين الخدمات الحكومية وحده لا يكفي لخلق الوظائف، إذ يجب أن يترافق مع ثلاثة عناصر رئيسية.

الأول هو الاستثمار في البنية التحتية، بما يشمل الطاقة والنقل والاتصال الرقمي، إلى جانب الاستثمار في التعليم والصحة والمهارات لضمان وجود قوة عاملة مؤهلة.

أما العنصر الثاني فيتمثل في بناء بيئة أعمال أكثر سهولة، حيث إن تقليل الوقت اللازم لتسجيل الشركات أو الحصول على التراخيص يسمح بدخول المزيد من رواد الأعمال إلى الاقتصاد الرسمي.

ويتمثل العنصر الثالث في جذب الاستثمارات الخاصة، لأن الموارد الحكومية وحدها لا تستطيع توفير حجم الوظائف المطلوبة لمواجهة الزيادة الكبيرة في أعداد الشباب الباحثين عن العمل.

وتسعى الإمارات ضمن استراتيجيتها الاقتصادية إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فيما يعمل البنك الدولي على مساعدة الدول في تقليل المخاطر وتحسين بيئاتها الاستثمارية.

ويؤكد خبراء التنمية أن الإصلاح الإداري دون بنية تحتية مناسبة قد لا يحقق النتائج المطلوبة، كما أن الاستثمار دون أنظمة حكومية فعالة قد يؤدي إلى ضعف الاستفادة من الموارد.

وتقوم فكرة تبادل الخبرات الحكومية الإماراتية على تقديم نماذج عملية قابلة للتطبيق بدل الاكتفاء بالنظريات، عبر إظهار تجارب نفذتها حكومات بالفعل والظروف التي ساعدت على نجاحها.

ومع دخول أكثر من مليار شاب سوق العمل خلال السنوات المقبلة، يرى القائمون على هذه المبادرات أن سرعة الإصلاح أصبحت ضرورة، وأن الحكومات بحاجة إلى أنظمة أكثر مرونة تسمح للشباب بإنشاء المشاريع والحصول على الخدمات بسهولة بدل مواجهة عوائق إدارية طويلة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً