اتفاقية التجارة مع الهند تضع طموح أوروبا الدوائي على المحك

الرئيس الهندي

شارك

تواجه مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز إنتاج الأدوية محلياً اختباراً صعباً بعد إبرام اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها مع الهند، وهي خطوة يرى منتقدون أنها قد تُعمّق اعتماد القارة على مورد خارجي رئيسي في وقت تسعى فيه إلى تقليل هشاشة سلاسل الإمداد الدوائية.

وتعد الاتفاقية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والهند اختراقاً سياسياً واقتصادياً مهماً، إذ تفتح الأسواق الأوروبية أمام مزيد من الأدوية الهندية، خصوصاً الأدوية الجنيسة منخفضة الكلفة والمكوّنات الصيدلانية الفعالة.

غير أن هذه الخطوة تأتي في لحظة حساسة، حيث يعمل التكتل على سن تشريع جديد يُعرف بـ«قانون الأدوية الحرجة» بهدف إعادة جزء من التصنيع الدوائي إلى داخل أوروبا وضمان أمن الإمدادات.

ويرى خبراء أن السياستين تسيران في اتجاهين متعاكسين. فبينما يسعى القانون الأوروبي إلى تقليص الاعتماد على دول محددة، من بينها الهند والصين، فإن اتفاقية التجارة الحرة تُخفّض الرسوم الجمركية وتُبسّط الإجراءات أمام الواردات الهندية، ما قد يزيد جاذبيتها مقارنة بالإنتاج المحلي الأعلى كلفة.

وقال الخبير الاقتصادي في بنك ING الهولندي ديدريك ستاديج إن فرص نجاح قانون الأدوية الحرجة «تبدو محدودة» في ظل الاتفاقية الجديدة، مشيراً إلى أن جعل الواردات أرخص «يعزز الاعتماد على الهند في توفير الأدوية الجنيسة والمكوّنات الأساسية».

وتشير تقديرات أوروبية إلى أن أكثر من 90 في المئة من الأدوية الأساسية المستخدمة في الاتحاد هي أدوية جنيسة، يعتمد جزء كبير منها على سلاسل توريد خارجية.

وتكشف الأرقام حجم هذا الاعتماد. ففي عام 2025، استورد الاتحاد الأوروبي أدوية ومكوّنات صيدلانية من الهند بقيمة تجاوزت 3.35 مليار يورو، أي أكثر من 60 ألف طن متري. في المقابل، بلغت صادرات أوروبا الدوائية إلى الهند نحو 1.87 مليار يورو فقط.

كما يأتي نحو 40 في المئة من مصنّعي المكوّنات الدوائية الحيوية المستخدمة في أوروبا من الهند، ما يجعل أي اضطراب في هذه السلاسل خطراً مباشراً على توفر الأدوية للمرضى.

ويحذر المنتقدون من أن الاتفاقية، التي تلغي رسوماً جمركية تصل إلى 11 في المئة على بعض الأدوية، قد تُقوّض الجهود الأوروبية الرامية إلى تنويع مصادر الإمداد وبناء قدرات تصنيع محلية.

ويرى ستيفانو مارينو، المسؤول السابق في وكالة الأدوية الأوروبية، أن الإصرار على تركيز الإنتاج داخل الاتحاد «قد يتعارض» مع روح التعاون التجاري المعمّق مع الهند.

في المقابل، يقلل صناع القرار الأوروبيون من هذه المخاوف. فقد أكد مفاوض البرلمان الأوروبي توميسلاف سوكول أن تنويع الشراكات التجارية مع دول مثل الهند «مهم جيوسياسياً»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تقليل الاعتماد على الدول الثالثة، وهو الهدف الذي يسعى إليه قانون الأدوية الحرجة عبر تفضيل الإنتاج الأوروبي.

أما المفوضية الأوروبية فترى أن السياسات متكاملة وليست متناقضة. وقالت المتحدثة باسم المفوضية إيفا هرنسيروفا إن الاتفاقية التجارية وقانون الأدوية الحرجة «يعالجان قضيتين مختلفتين»: الأولى تُسهّل التجارة وتنويع الشركاء، والثانية تدعم الاستثمارات في القدرة التصنيعية داخل الاتحاد لمعالجة نقاط الضعف في سلاسل الإمداد.

وفي مجلس الاتحاد الأوروبي، اعتبرت الرئاسة الدورية أن «المرونة الاستراتيجية والتجارة المفتوحة ليستا متعارضتين»، مؤكدة أن الهدف هو تحقيق توازن بين أمن الإمدادات وتوافر الأدوية وإمكانية الوصول إليها بأسعار معقولة.

مع ذلك، يبقى التحدي قائماً. فأنظمة الرعاية الصحية الأوروبية تواجه ضغوطاً مالية متزايدة، ما يجعل اللجوء إلى الأدوية الأرخص خياراً مغرياً. ويرى ستاديج أن نجاح القانون الأوروبي سيتطلب قواعد شراء صارمة تفرض التوريد المزدوج وتكافئ المرونة، وهو أمر يشكك في إمكانية تطبيقه عملياً.

ويطرح خبراء آخرون بديلاً يقوم على «تقاسم المخاطر» عبر إبرام مزيد من الاتفاقيات مع موردين متعددي الجنسيات. ويقول أستاذ الصحة العامة الأوروبية هيلموت براند إن وجود أربعة أو خمسة موردين من قارات مختلفة قد يقلل من خطر الانقطاعات، حتى لو لم يكن الإنتاج كله داخل أوروبا.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً