يتصاعد القلق في الأسواق العالمية مع استمرار تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي إغلاقه لفترة طويلة إلى صدمة اقتصادية عالمية وارتفاع كبير في أسعار النفط والسلع الأساسية.
ويمر عبر المضيق جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، ما يجعله شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي.
ومع تصاعد الحرب في المنطقة وتزايد المخاطر الأمنية، تراجعت حركة الشحن في الممر البحري الحيوي بشكل كبير، الأمر الذي يهدد بإحداث اضطرابات واسعة في الإمدادات العالمية للطاقة.
ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة نحو 21 ميلاً فقط، وهو محاط من ثلاث جهات بالأراضي الإيرانية، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تؤثر بسرعة في الأسواق العالمية إذا تعطلت الملاحة فيه.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار تعطيل الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي من خلال زيادة التضخم وتراجع معدلات النمو.
وقد شهدت أسواق النفط خلال الأيام الأخيرة تقلبات حادة مع كل تطور ميداني في المنطقة، حيث ارتفع سعر خام برنت بنحو 10 في المئة ليصل إلى أكثر من 101 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب.
وتظهر بيانات أسواق العقود الآجلة أن المتداولين يتوقعون استمرار أزمة الإمدادات لفترة طويلة نسبياً، إذ لا يتوقع أن ينخفض سعر النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل حتى نهاية العام.
ويمتد تأثير إغلاق المضيق إلى ما هو أبعد من النفط، إذ يشكل الممر البحري أيضاً طريقاً رئيسياً لشحن الغاز الطبيعي المسال والمواد الخام المستخدمة في صناعة الأسمدة والمعادن مثل الألومنيوم والصلب.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن اضطراب هذه الإمدادات قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، خصوصاً في الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والمواد الأولية.
وبحسب نماذج اقتصادية أعدها خبراء في بنك غولدمان ساكس، فإن بقاء أسعار النفط قرب 98 دولاراً للبرميل خلال شهري مارس وأبريل قد يدفع معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى نحو 2.9 في المئة خلال عام 2026.
كما قد يؤدي ذلك إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي الأمريكي، إذ يتوقع أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 2.2 في المئة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في الاستهلاك والاستثمار.
وفي سيناريو أكثر حدة، إذا تعطلت تدفقات النفط عبر المضيق لمدة شهر كامل وارتفع متوسط السعر إلى 110 دولارات للبرميل، فقد يصل التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3 في المئة مع تباطؤ إضافي في النمو الاقتصادي.
وترى تقديرات اقتصادية أن احتمال حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة قد يرتفع إلى نحو 25 في المئة إذا استمرت الأزمة النفطية لفترة أطول.
ورغم أن الولايات المتحدة تتمتع بدرجة من الحماية بسبب ارتفاع إنتاجها المحلي من النفط، فإن طبيعة سوق الطاقة العالمية تجعل من الصعب عزل الاقتصاد الأمريكي عن تأثيرات ارتفاع الأسعار العالمية.
وتبدو أوروبا وشرق آسيا أكثر عرضة للتأثر بالأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج.
وفي سيناريو أكثر تشاؤماً، وضعت مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس تصوراً لارتفاع أسعار النفط إلى نحو 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين، وهو ما وصفته بأنه نقطة انهيار محتملة للاقتصاد العالمي.
ويشير هذا السيناريو إلى احتمال دخول اقتصادات كبرى مثل منطقة اليورو والمملكة المتحدة واليابان في حالة انكماش اقتصادي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع النشاط الصناعي.
كما قد يؤدي ذلك إلى تباطؤ الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير، في وقت ترتفع فيه معدلات التضخم العالمية إلى نحو 5.1 في المئة، أي أعلى بكثير من التوقعات السابقة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن أسعار النفط عند هذه المستويات تصبح عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد العالمي لأنها تنتقل بسرعة إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الاستهلاكية.
ومع ارتفاع تكاليف الطاقة تتشدد الظروف المالية وتزداد الضغوط على الشركات والمستهلكين، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات وانخفاض الطلب العالمي.
وتشير تجارب سابقة إلى أن الأسواق المالية غالباً ما تتعافى بسرعة بعد الأزمات العسكرية في الشرق الأوسط، إلا أن بعض الخبراء يحذرون من أن هذه الأزمة قد تستغرق وقتاً أطول للتعافي بسبب حجم المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.
ومع استمرار الغموض حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب حذر لأي تطورات قد تعيد فتح هذا الممر الحيوي أو تؤدي إلى تصعيد جديد يفاقم الأزمة الاقتصادية.




