تتجه الحكومة البريطانية إلى اتخاذ خطوة سياسية واقتصادية جديدة ضد الاستيطان الإسرائيلي، من خلال إعلان متوقع لحظر البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحول وصف بأنه كبير في سياسة لندن تجاه إسرائيل وفلسطين، وسط تهديدات إسرائيلية بالرد ودعوات من وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو إلى فرض عقوبات على بريطانيا وطرد سفيرها من تل أبيب.
ومن المقرر أن يعرض وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، الثلاثاء، حزمة من الإجراءات الجديدة المتعلقة بإسرائيل أمام البرلمان، في وقت تحدثت مصادر مطلعة عن توجه حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام إلى إعادة صياغة نهجها السياسي تجاه القضية الفلسطينية.
وقال مصدر مطلع في حزب العمال إن رئيس الوزراء ووزير الخارجية سيقدمان “خطة شاملة لإعادة ضبط نهج الحكومة البريطانية” تجاه الوضع في إسرائيل وفلسطين، فيما أكدت مصادر في وايت هول أن الإجراءات الجديدة يجب النظر إليها باعتبارها بداية لتحول أوسع في السياسة الخارجية البريطانية، وليس باعتبارها خطوة منفردة.
وكانت تقارير قد كشفت خلال أغسطس/آب أن الحكومة البريطانية اتخذت قراراً بحظر سلع المستوطنات، في خطوة من شأنها أن تمثل تحولاً في تعامل لندن مع النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يعد غير قانوني وفق القانون الدولي.
ويأتي هذا التوجه في توقيت حساس، بالتزامن مع استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، ولا سيما مشروع E1 شرق القدس، الذي يثير مخاوف واسعة من تقسيم الضفة الغربية فعلياً إلى مناطق منفصلة، وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ولم يتحدث بورنهام مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو منذ توليه منصبه في يوليو/تموز الماضي، فيما أشارت تقارير إلى أن رئيس الوزراء البريطاني أطلع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خططه المتعلقة باتخاذ إجراءات ضد إسرائيل.
كما أفادت المعلومات بأن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً سرية على الحكومة البريطانية من أجل عدم المضي قدماً في هذه الإجراءات، في مؤشر على استمرار الدعم الأمريكي السياسي والدبلوماسي للاحتلال الإسرائيلي، رغم تصاعد الانتقادات الدولية للانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وفي المقابل، يحظى التوجه البريطاني بحظر تجارة المستوطنات بتأييد شعبي ملحوظ داخل المملكة المتحدة. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة أوبينيوم ونشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن 46% من البريطانيين يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، مقابل 18% فقط يعارضون ذلك.
وترتفع نسبة التأييد بصورة أكبر عند استبعاد الأشخاص الذين لم يحددوا موقفهم، ما يعكس اتساع التأييد الشعبي لاتخاذ إجراءات اقتصادية ضد المستوطنات، التي تمثل أحد أبرز أدوات الاحتلال الإسرائيلي لترسيخ السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ورحب عدد من الشخصيات البريطانية بالإجراءات المرتقبة، معتبرين أنها تمثل خطوة ضرورية، وإن كانت غير كافية لمواجهة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
وقال رئيس مجلس التفاهم العربي البريطاني والنائب أليستر كارمايكل إن حظر تجارة المستوطنات “أمر مرحب به”، لكنه اعتبره الحد الأدنى المطلوب في مواجهة ما وصفه بجنون التوسع الاستيطاني.
وأكد أن إسرائيل يجب أن تخضع للمساءلة بسبب انتهاكاتها للقانون الدولي، معرباً عن أمله في أن تمثل الخطوة البريطانية بداية لإجراءات أوسع وأكثر تأثيراً.
كما دعت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، إلى أن يكون حظر تجارة المستوطنات جزءاً من تحول سياسي حقيقي في تعامل الدول الغربية مع القضية الفلسطينية، بما يقود إلى تنفيذ الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024.
لكن التحرك البريطاني أثار غضباً واسعاً داخل حكومة الاحتلال، التي سارعت إلى إطلاق تهديدات بالرد على أي إجراءات تتخذها لندن.
وحذر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر من أن تل أبيب سترد إذا اتخذت بريطانيا إجراءات ضد إسرائيل، قائلاً إن “إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا” في حال تحركت الأخيرة ضدها.
وتصاعدت ردود الفعل الإسرائيلية بصورة أكبر، بعدما دعا وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى فرض عقوبات ضد بريطانيا.
وطالب سموتريتش بطرد السفير البريطاني لدى إسرائيل، مستخدماً خطاباً هجومياً ضد الحكومة البريطانية، فيما دعا بن غفير حكومة نتنياهو إلى الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر مالفيناس، المعروفة بريطانياً باسم جزر فوكلاند، وفرض عقوبات على لندن.
وتكشف هذه الردود حجم القلق الإسرائيلي من أي تحول فعلي في السياسة البريطانية، خصوصاً أن حظر بضائع المستوطنات يحمل دلالة سياسية تتجاوز قيمته التجارية، باعتباره رفضاً عملياً للتعامل الاقتصادي مع أحد أبرز مشاريع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.





