بريطانيا مطالبة بالعمل بشكل أوثق مع حلفائها العرب لمواجهة إيران وإلا تخاطر بـ”التهميش”

شارك

حذر خبير بريطاني بارز في الشأن الإيراني من أن بريطانيا تخاطر بفقدان نفوذها في الشرق الأوسط إذا لم تنتقل من إدارة الأزمات إلى تبني استراتيجية طويلة الأمد تجاه إيران، تقوم على تعزيز التعاون مع الحلفاء العرب وامتلاك قدرة عسكرية موثوقة تدعم تحركها الدبلوماسي.

وقال البروفيسور علي أنصاري، أستاذ التاريخ الإيراني في جامعة سانت أندروز، إن السياسة البريطانية تجاه إيران عانت على مدى سنوات من غياب الرؤية الاستراتيجية، معتبراً أن استمرار هذا النهج قد يحول ما وصفه بـ”الخمول المتقن” إلى تهميش فعلي لبريطانيا في المنطقة.

وأكد أنصاري، في دراسة نشرها مركز “Policy Exchange”، أن بريطانيا لا تستطيع التعامل مع إيران من خلال الملف النووي وحده، داعياً إلى استراتيجية أوسع تشمل النشاط الإقليمي الإيراني، وشبكة حلفائها، والتهديدات الأمنية للمصالح البريطانية، إلى جانب العلاقات مع دول الخليج والمنطقة.

ويتوافق ذلك مع مواقف سابقة له أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، حين قال إن السياسة البريطانية تجاه إيران تحولت خلال العقدين الماضيين إلى سلسلة من عمليات إدارة الأزمات بدلاً من التفكير في الهدف الذي تريد لندن الوصول إليه على المدى الطويل.

وربط أنصاري بين تراجع النفوذ البريطاني وبين ضعف القدرة العسكرية، مشيراً إلى أن القوة الناعمة لا تستطيع الاستمرار من دون قوة صلبة موثوقة تحميها وتدعمها.

وقال إن لندن تحتاج إلى استعادة قدرتها على الجمع بين الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية والاقتصادية بدلاً من الاعتماد على المسار الدبلوماسي وحده.

وقد وضع مضيق هرمز في مقدمة التحديات التي تحتاج بريطانيا إلى التعامل معها بالتنسيق مع شركائها العرب، خصوصاً في ظل استمرار اضطراب الملاحة في الممر الاستراتيجي.

وأكد أنصاري أن لندن لا تستطيع تجاهل الأزمة، وأن عليها العمل مع دول المنطقة لضمان حرية الملاحة وحماية المصالح التجارية والأمنية المرتبطة بالمضيق.

وأرسلت بريطانيا بالفعل سفناً وقدرات متخصصة إلى المنطقة للمشاركة في جهود إعادة الملاحة، بينها السفينة المساعدة التابعة للأسطول الملكي RFA Lyme Bay التي وصلت إلى الشرق الأوسط في يونيو/حزيران ضمن استعدادات لجهد متعدد الجنسيات لتأمين الممرات البحرية.

وقالت البحرية الملكية البريطانية إن السفينة تحمل أنظمة متقدمة مستقلة وغير مأهولة للمساعدة في عمليات البحث عن الألغام وتأمين حركة السفن.

وتزامنت التحذيرات البريطانية مع استمرار تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب التصعيد العسكري.

وأظهرت بيانات حديثة أن حركة السفن في المضيق هبطت إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، في وقت تواجه فيه المنطقة مخاطر متزايدة على التجارة والطاقة.

واتهم أنصاري الحكومات البريطانية المتعاقبة بالافتقار إلى استراتيجية متماسكة للتعامل مع الجمهورية الإسلامية، محذراً من أن التعامل مع طهران باعتبارها مجرد ملف نووي أدى إلى تجاهل جوانب أخرى من سياستها الإقليمية.

وأشار إلى أن إيران تمثل تحدياً لبريطانيا ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما داخل الأراضي البريطانية أيضاً، من خلال ما وصفه بالتدخل في السياسة الداخلية واستهداف المعارضين والأنشطة المرتبطة بأجهزة الدولة الإيرانية.

ودعا الخبير إلى إعادة بناء الخبرة المتخصصة بإيران داخل مؤسسات الدولة البريطانية، معتبراً أن المعرفة التاريخية والثقافية بالبلاد تراجعت داخل دوائر صنع القرار.

وقال إن بريطانيا كانت تمتلك في السابق خبرة واسعة في فهم المجتمع والسياسة الإيرانيين، لكنها أهملت جزءاً كبيراً من هذه المعرفة، وبات عليها “إعادة تعلم ما نسيته”.

وأكد أنصاري كذلك ضرورة إعادة بناء العلاقات البريطانية مع دول الشرق الأوسط، مشدداً في شهادته البرلمانية السابقة على أن بريطانيا لن تتمكن من مواجهة ما وصفه بالعدوان الإيراني بمفردها، وأن عليها معرفة من هم حلفاؤها ومن يمكنها العمل معه في المنطقة.

ودعا تقرير “Policy Exchange” إلى تعزيز الشراكات الأمنية والاستخباراتية مع القوى الإقليمية المحيطة بإيران، ومن بينها السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل، مع العمل على حماية الممرات البحرية ومواجهة تمدد النفوذ الإيراني.

كما اقترح التقرير إجراءات اقتصادية واستخباراتية وعسكرية للحد من قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية.

وحذر أنصاري من أن الاستمرار في سياسة رد الفعل سيجعل بريطانيا أقل قدرة على التأثير في مسار الأحداث، في وقت تتجه فيه دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية جديدة بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الغربية.

وتأتي هذه الدعوات بينما تحاول لندن، بالتعاون مع فرنسا وحلفاء آخرين، بلورة آلية أمنية دولية للتعامل مع أزمة مضيق هرمز.

وكانت بريطانيا وفرنسا قد دفعتا في وقت سابق باتجاه مهمة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة، مع استعداد دول أوروبية أخرى للمشاركة بدرجات متفاوتة.

ويعكس الجدل داخل بريطانيا بشأن إيران سؤالاً أوسع حول قدرة لندن على الحفاظ على دورها التقليدي في الشرق الأوسط. فبينما تملك بريطانيا شبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية مع دول المنطقة، يرى منتقدو سياستها أن تراجع القدرات والاعتماد على إدارة الأزمات حالا دون تحويل هذه العلاقات إلى استراتيجية إقليمية متماسكة.

ويحذر أنصاري من أن استمرار هذا النهج لن يؤدي فقط إلى إضعاف قدرة بريطانيا على مواجهة إيران، بل قد يدفع حلفاءها العرب إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة، ويترك لندن خارج عملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية الجارية.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً