سجل الاقتصاد السعودي أكبر انكماش ربع سنوي منذ جائحة كوفيد-19، بعدما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.8% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، متأثراً بانخفاض حاد في النشاط النفطي نتيجة تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من اضطرابات في حركة تصدير النفط عبر المنطقة.
وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن الاقتصاد السعودي انتقل من نمو بلغ 3% خلال الربع الأول من العام إلى انكماش واضح في الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو، مدفوعاً بتراجع النشاط النفطي بنسبة 24.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويعد هذا الانكماش الأكبر الذي تشهده المملكة منذ الربع الثاني من عام 2020، عندما انكمش الاقتصاد بنسبة 7% في ذروة جائحة كورونا، التي أثرت آنذاك على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وأشارت البيانات إلى أن مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي كانت قد سجلت نمواً بنسبة 2.9% خلال الربع الأول من عام 2026، قبل أن تتراجع بصورة حادة في الربع الثاني نتيجة الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على إنتاج النفط وتصديره.
كما تباطأ نمو الأنشطة غير النفطية إلى 0.6% خلال الربع الثاني، مقارنة مع 2.9% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، ما يعكس انتقال آثار الأزمة إلى قطاعات اقتصادية أخرى، رغم استمرار جهود المملكة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
ورغم التوسع الذي شهدته القطاعات غير النفطية خلال السنوات الماضية ضمن برامج “رؤية السعودية 2030″، لا يزال النفط يشكل الركيزة الأساسية للاقتصاد السعودي والمصدر الأكبر للإيرادات الحكومية والصادرات.
وجاء التراجع الاقتصادي في ظل تداعيات الحرب التي شهدتها المنطقة، والتي أثرت على حركة إنتاج وتصدير النفط في دول الخليج، بعد تعرض منشآت للطاقة والبنية التحتية لهجمات متبادلة، إلى جانب تعطل الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية.
وأدى إغلاق مضيق هرمز خلال فترة من التصعيد العسكري إلى تقليص تدفقات النفط القادمة من الخليج، بينما واجهت المملكة تحديات إضافية في تصدير الخام عبر موانئ البحر الأحمر بسبب المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق باب المندب.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات فرضت ضغوطاً كبيرة على قطاع الطاقة السعودي، الذي يمثل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، في وقت تعتمد فيه الأسواق العالمية بصورة كبيرة على استقرار صادرات النفط الخليجية.
وفي محاولة للحد من تأثير الأزمة، واصلت السعودية الاعتماد على خط أنابيب الشرق–الغرب لنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، وهو ما ساعد على استمرار جزء من صادراتها وتقليل آثار تعطل الملاحة في الخليج، إلا أن ذلك لم يمنع تسجيل تراجع واضح في أداء القطاع النفطي.
وفي المقابل، أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على الصمود رغم الظروف الإقليمية، مشيراً إلى أن قوة المؤشرات الاقتصادية الكلية والإصلاحات التي نفذتها المملكة ساهمت في الحد من آثار الأزمة مقارنة بما كان يمكن أن يحدث في ظل اقتصاد يعتمد كلياً على النفط.
وتوقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد السعودي التعافي تدريجياً مع عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، معتبراً أن استقرار خطوط الإمداد البحرية سيكون عاملاً أساسياً في استعادة صادرات النفط لمستوياتها السابقة.
ورغم ذلك، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2026 إلى 1.7%، كما رجح تباطؤ نمو القطاعات غير النفطية إلى 2.6%، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن التوترات الإقليمية وتأثيرها على التجارة والطاقة.
ويتوقع اقتصاديون أن يظل أداء الاقتصاد السعودي خلال الربع الثالث مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة، ولا سيما مستقبل الملاحة في مضيق هرمز واستقرار أسواق النفط العالمية، في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ مشاريعها الاقتصادية الكبرى مع السعي للحفاظ على معدلات الإنفاق والاستثمار رغم التحديات التي فرضتها الأزمة الإقليمية.





