كشفت دراسة حديثة أن الانتشار الواسع والسريع للهواتف الذكية منذ نهاية العقد الأول من القرن الحالي قد يكون أحد العوامل المؤثرة وراء التراجع المستمر في معدلات الخصوبة داخل الولايات المتحدة، في طرح جديد يضيف التكنولوجيا الرقمية إلى قائمة الأسباب المحتملة لأزمة انخفاض المواليد.
وأظهرت الدراسة التي أعدها باحثون من كلية ميدلبري والمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن المناطق الأمريكية التي شهدت وصولا مبكرا وكثيفا إلى الهواتف الذكية سجلت انخفاضا أكبر في معدلات الولادات مقارنة بالمناطق التي تأخر فيها انتشار هذه الأجهزة.
واعتمد الباحثون على مقارنة بيانات المقاطعات الأمريكية خلال مرحلة الانتشار الأولى للهواتف الذكية، خصوصا بعد عام 2007 الذي شهد إطلاق أول هاتف آيفون وبداية التحول الكبير في استخدام الأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت.
وأوضحت النتائج أن التأثير كان أكثر وضوحا بين المراهقين، إذ تراجعت معدلات الولادة بين الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاما بنسبة 26% بين عامي 2007 و2011 في المناطق التي انتشرت فيها الهواتف الذكية بشكل واسع، مقابل انخفاض بنسبة 14% فقط في المناطق التي كان فيها انتشار الهواتف أقل.
وأشار الباحثون إلى أن الدراسة لا تقدم دليلا مباشرا على أن الهواتف الذكية تسببت وحدها في انخفاض الخصوبة، لكنها تكشف علاقة زمنية وجغرافية لافتة بين انتشار التكنولوجيا المحمولة وتغير السلوك الاجتماعي المرتبط بالعلاقات والإنجاب.
ويرى معدو الدراسة أن الهواتف الذكية غيرت بصورة عميقة طريقة استخدام الناس لوقتهم وطبيعة تفاعلهم الاجتماعي، حيث انتقل جزء كبير من التواصل البشري إلى المساحات الرقمية بدلا من اللقاءات المباشرة.
وبحسب الدراسة، فإن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات واستخدام منصات التواصل والترفيه الرقمي قد يكون أدى إلى تقليل فرص التفاعل الشخصي والعلاقات الاجتماعية التي كانت ترتبط تقليديا بتكوين الأسر وحدوث الحمل.
وأكد الباحثون أن أحد أبرز التغيرات المسجلة كان انخفاض حالات الحمل غير المخطط له بين الشباب، وهو عامل ساهم بشكل كبير في تراجع معدلات الخصوبة العامة داخل الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
وتزامن التحول الرقمي الكبير مع تغيرات اجتماعية واسعة، إذ أصبحت الهواتف الذكية جزءا أساسيا من الحياة اليومية، وغيرت أساليب التعارف والتواصل والترفيه والعمل، ما دفع باحثين لدراسة آثارها طويلة المدى على المجتمع.
لكن عددا من الخبراء أبدوا تحفظات على تفسير انخفاض معدلات الإنجاب من خلال عامل واحد فقط، معتبرين أن أزمة الخصوبة أكثر تعقيدا وترتبط بمجموعة واسعة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار منتقدون إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن ورعاية الأطفال، إلى جانب تأخر الزواج وتغير أولويات الأجيال الجديدة، تعد عوامل رئيسية لا يمكن تجاهلها عند تفسير تراجع المواليد.
كما لفتوا إلى أن انخفاض الخصوبة بدأ في دول عديدة قبل الانتشار الكامل للهواتف الذكية، ما يعني أن التكنولوجيا قد تكون عاملا مساعدا ضمن مجموعة من الأسباب وليست السبب الوحيد وراء الظاهرة.
ويعتبر عام 2007 نقطة تحول مهمة في النقاش حول مستقبل الخصوبة الأمريكية، إذ شهد إطلاق أول هاتف آيفون وبداية الركود الاقتصادي الكبير، وهما حدثان تركا آثارا واسعة على سلوك الأفراد والأسر.
ورغم تعافي الاقتصاد الأمريكي لاحقا من تداعيات الأزمة المالية، استمر انخفاض معدلات الولادة، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن تفسيرات تتجاوز العوامل الاقتصادية التقليدية.
وتفتح الدراسة الجديدة الباب أمام مزيد من الأبحاث حول تأثير التكنولوجيا الحديثة على العلاقات البشرية والقرارات الشخصية المتعلقة بالزواج والإنجاب.
ويرى الباحثون أن فهم العلاقة بين العالم الرقمي وتراجع الخصوبة أصبح ضروريا في ظل اعتماد الأجيال الجديدة المتزايد على الهواتف الذكية، واستمرار انخفاض معدلات المواليد في الولايات المتحدة وعدد من الدول المتقدمة.





