صدمة هرمز تكشف فشل الرهانات الغربية وانهيار سياسات الطاقة “الخضراء”

هرمز

شارك

تكشف تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع إمدادات الطاقة من الخليج عن أزمة عميقة في السياسات الغربية، حيث أعادت الصدمة النفطية المرتبطة بالحرب مع إيران حكومات كبرى إلى واقع تجاهلته طويلاً، وهو أن أمن الطاقة لا يمكن بناؤه على الافتراضات الأيديولوجية وحدها.

وأوردت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن نحو 28 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال اختفت من الأسواق العالمية، نتيجة تعطل الإمدادات وتضرر منشآت التصدير، ما أحدث فجوة ضخمة في السوق يتوقع أن تستمر آثارها لسنوات، في وقت تتسابق فيه الدول المستوردة لتأمين احتياجاتها بأي ثمن.

وبحسب الصحيفة تُظهر هذه الأزمة أن تأثيرها لا يتوزع بشكل متساوٍ، بل يضرب بقوة الاقتصادات التي راهنت على سياسات طاقة غير متوازنة، مثل ألمانيا وتايوان وولاية كاليفورنيا، التي تحولت إلى نماذج تحذيرية لنتائج التخطيط القائم على الشعارات بدلاً من الواقعية الاستراتيجية.

في ألمانيا، قادت السياسات البيئية إلى إغلاق متسارع للمفاعلات النووية ومحطات الفحم، في ظل اعتقاد بأن الطاقة المتجددة والأسواق العالمية قادرة على سد الفجوة. إلا أن هذه الرهانات انهارت مع أول اختبار حقيقي، حيث وجدت برلين نفسها مضطرة للعودة إلى خيارات كانت قد تخلت عنها.

وتؤكد التصريحات الرسمية أن إغلاق المفاعلات النووية كان “خطأ فادحاً”، فيما تبحث الحكومة الآن إعادة تشغيل محطات الفحم، في انعكاس واضح للتخبط الناتج عن غياب التخطيط طويل الأمد.

كما اضطرت ألمانيا في فترات سابقة إلى استيراد الكهرباء النووية من فرنسا، في مفارقة تعكس تناقض السياسات التي حاربت الطاقة النووية داخلياً واعتمدت عليها خارجياً عند الحاجة.

ويتكرر المشهد ذاته في تايوان، التي تبنت سياسة “خالية من الطاقة النووية”، وأغلقت محطات رئيسية، مع الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال كمصدر بديل. إلا أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة هذا النموذج، حيث تعتمد الجزيرة على استيراد نحو 97% من احتياجاتها الطاقية عبر البحر.

ومع تعطل الإمدادات، اضطرت الحكومة إلى التراجع عن مواقفها السابقة، والبحث في إعادة تشغيل المفاعلات النووية، في اعتراف ضمني بفشل الاستراتيجية القائمة على الاستغناء عن مصادر الطاقة المستقرة.

أما في كاليفورنيا، فقد أدت اللوائح البيئية الصارمة إلى نتائج عكسية، حيث انعزل سوق الوقود في الولاية عن بقية الولايات المتحدة، نتيجة فرض معايير خاصة على البنزين، ما دفع شركات التكرير إلى مغادرة السوق.

وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، مع اقتراب سعر الغالون من 6 دولارات، في وقت أصبحت فيه الولاية تعتمد بشكل متزايد على واردات الوقود من آسيا، التي بدأت بدورها في تقليص الشحنات بسبب أزمة هرمز.

وتكشف هذه الحالات الثلاث عن خطأ مشترك يتمثل في الخلط بين النوايا البيئية والتخطيط الاستراتيجي، حيث افترضت هذه الأنظمة أن الأسواق العالمية ستظل مستقرة دائماً لتغطية أي نقص، وهو افتراض سقط مع أول صدمة جيوسياسية كبرى.

وتؤكد الأزمة الحالية أن الطاقة ليست مجرد قضية بيئية أو اقتصادية، بل مسألة أمن قومي بامتياز، تتطلب تنويع المصادر وعدم الاعتماد على مورد واحد أو مسار جغرافي حساس مثل مضيق هرمز.

كما تظهر أن الاعتماد المفرط على الطاقة المتجددة دون وجود بدائل مستقرة، مثل الطاقة النووية أو الاحتياطيات المحلية، يجعل الأنظمة عرضة للانهيار عند أي اضطراب في الإمدادات.

في المقابل، تبدو الدول التي حافظت على مزيج متنوع من مصادر الطاقة أكثر قدرة على امتصاص الصدمة، مقارنة بتلك التي اندفعت نحو التحول الأخضر دون حساب كلفة المخاطر.

وتسلط هذه التطورات الضوء على خلل أعمق في التفكير الغربي، الذي تعامل مع الطاقة كملف تقني يمكن حله عبر السياسات البيئية، متجاهلاً البعد الجيوسياسي الذي يحكم تدفق الموارد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً