ترفض الدول الأوروبية الانخراط في تحالف عسكري ضد إيران، رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة، في وقت تعمل فيه بشكل مكثف خلف الكواليس على إعداد خطة عسكرية وأمنية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، تركز على حماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن التباين بين واشنطن والعواصم الأوروبية لم يعد يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى اختلاف واضح في إدارة الصراع.
فبينما يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو توسيع نطاق المواجهة، اختارت أوروبا الابتعاد عن الانخراط العسكري المباشر، والتركيز بدلًا من ذلك على احتواء التداعيات وتأمين المصالح الحيوية بعد توقف العمليات.
وتؤكد مصادر أوروبية رفيعة أن مسؤولي الدفاع في عدة دول يجرون نقاشات متقدمة لوضع ترتيبات ميدانية لحماية خطوط الشحن، في ظل المخاوف من استمرار التهديدات الإيرانية حتى بعد انتهاء الحرب. وتشير هذه المناقشات إلى مستوى من الجاهزية يتجاوز بكثير ما تم الإعلان عنه رسميًا.
ويأتي هذا التحرك في ظل إغلاق فعلي لمضيق هرمز نتيجة التهديدات العسكرية، وهو ممر تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يجعله نقطة حيوية للاقتصاد الدولي، وخاصة بالنسبة للدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة.
وتتضمن الخطط الأوروبية المطروحة إرسال قطع بحرية، خاصة فرقاطات، لمرافقة ناقلات النفط والسفن التجارية أثناء عبورها المضيق، في محاولة لتقليل المخاطر وتأمين حركة التجارة.
كما تشمل هذه الترتيبات استخدام أنظمة دفاع جوي مثبتة على السفن لاعتراض أي طائرات مسيّرة أو صواريخ قد تستهدف الملاحة، إضافة إلى تنفيذ استعراض قوة عسكرية يهدف إلى طمأنة شركات الشحن والتأمين التي باتت مترددة في العمل داخل المنطقة.
وتشير المعلومات إلى أن هذه الجهود لا تقتصر على الدول الأوروبية، بل تشمل تحالفًا أوسع يضم قوى دولية، في إطار تنسيق متعدد الأطراف لحماية أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
وأعلنت فرنسا أن نحو 35 دولة تشارك في مناقشات لتشكيل مهمة بحرية منسقة، فيما أكدت المملكة المتحدة أنها تعمل مع الحلفاء وقطاع الشحن على إعداد “خطة قابلة للتنفيذ” لحماية الملاحة.
من جهته، أوضح مارك روته أن لندن وباريس تقودان هذا المسار، مشيرًا إلى أن التنسيق جارٍ بشكل نشط بين الدول المعنية، رغم أن بعض التفاصيل لا تزال قيد النقاش بسبب استمرار الحرب.
ولا يقتصر هذا الجهد على أعضاء حلف الناتو، بل يشمل أيضًا دولًا من خارج الحلف، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جانب دول خليجية مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة.
ويهدف هذا التحالف إلى ضمان بقاء خطوط الملاحة مفتوحة، ومنع أي طرف من فرض سيطرة على المضيق أو تعطيل حركة التجارة العالمية.
ورغم أن هذه الجهود تأتي استجابة مباشرة لطلب أمريكي بتأمين الملاحة، فإنها لا تعكس توافقًا كاملاً مع واشنطن. فقد عبّر ترامب علنًا عن استيائه من موقف أوروبا، متهمًا دول الناتو بعدم تقديم دعم فعلي في المواجهة مع إيران.
ويعكس هذا التصعيد في الخطاب فجوة متزايدة بين ضفتي الأطلسي، حيث ترى أوروبا أن الانخراط العسكري المباشر قد يفاقم الصراع، بينما تفضل التركيز على إدارة نتائجه وتقليل كلفته.
وتُظهر التحركات الأوروبية أن العواصم الكبرى تتبنى مقاربة مختلفة، تقوم على الفصل بين الحرب ومرحلة ما بعدها. فبدلًا من الانخراط في العمليات القتالية، تسعى إلى تأمين المصالح الاقتصادية وضمان استقرار الأسواق.
كما تعكس هذه الاستراتيجية إدراكًا بأن التهديد الحقيقي لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى تداعياتها على الطاقة والتجارة العالمية.




