لم يقتصر مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام على تشخيص الأزمات الراهنة بقدر ما انشغل باستشراف ما هو قادم، في لحظةٍ بدت فيها العلاقات الدولية، وخصوصاً عبر الأطلسي، وكأنها تدخل مرحلة إعادة تعريف عميقة.
فعلى مدار ثلاثة أيام، اجتمع قادة سياسيون ودبلوماسيون ومسؤولون عسكريون لمناقشة مستقبل التحالفات، وسط شعور واسع بأن النظام الذي حكم العالم الغربي لعقود لم يعد مضموناً.
وقد حضر دونالد ترامب المؤتمر بظلّه أكثر من حضوره المباشر. فسياساته اليومية، وتصريحاته المتقلبة، شكّلت خلفية دائمة للنقاشات، حتى بدا أن الرئيس الأمريكي، رغم نفوذه، في أضعف موقع له داخل أروقة فندق “بايريشير هوف”.
وفي المقابل، حرص ديمقراطيون أمريكيون بارزون على طمأنة الأوروبيين بأن عهد ترامب ليس أبدياً.
من حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم إلى النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، شدّد المشاركون الديمقراطيون على أن العلاقة عبر الأطلسي أعمق من أي إدارة عابرة.
وقالت أوكاسيو-كورتيز في أحاديث جانبية إن حضور هذا العدد من الديمقراطيين يهدف إلى “إظهار التزام الحزب بمسار مختلف وبشراكات ثابتة مع الحلفاء”.
أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي مثّل إدارة ترامب رسمياً، فقد حاول تهدئة المخاوف الأوروبية بخطاب أقل حدة من خطاب نائب الرئيس في العام الماضي.
وأكد أن الولايات المتحدة وأوروبا “تنتميان إلى بعضهما البعض”، رابطاً ذلك بالتاريخ والمصالح المشتركة أكثر من القيم الديمقراطية. وقد لقي خطابه تصفيقاً حاراً، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح النقاش داخل الأوساط الجمهورية حول طموحات روبيو السياسية المستقبلية.
وعلى الضفة الأوروبية، لم تُخفِ القيادات قلقها من الاعتماد المفرط على واشنطن. فقد قال المستشار الألماني فريدريش ميرز إن القيادة العالمية للولايات المتحدة “تعرّضت للتحدي وربما أُهدرت”، داعياً إلى أن تكون أوروبا أكثر استقلالية.
بدوره، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة أن تصبح أوروبا “قوة جيوسياسية” قادرة على تقليل المخاطر والاعتماد على الذات في الدفاع والتكنولوجيا.
والنقاشات لم تخلُ من ملفات ملتهبة. فالحرب في أوكرانيا ظلت حاضرة، لكن لافتاً أن شوارع ميونيخ شهدت هذا العام مظاهرات واسعة بشأن احتمال صراع مستقبلي مع إيران، في مؤشر على اتساع دائرة القلق الأمني العالمي.
كما ألقى بعض المتحدثين الضوء على فكرة إنشاء مظلة دفاعية أوروبية مستقلة، بل وحتى نقاشات أولية حول بدائل للمظلة النووية الأمريكية.
وداخل المؤتمر، تداخلت السياسة الأمريكية الداخلية مع القضايا الدولية بشكل غير مسبوق. فقد تحدثت شخصيات بارزة مثل رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي عن انتخابات التجديد النصفي المقبلة، معتبرة أنها قد تشكل نقطة تحول تحدّ من سياسات ترامب.
وأكدت أن الديمقراطيين “يستعدون لسيناريوهات الطعن في النتائج”، في إشارة إلى مخاوف مستمرة بشأن استقرار الديمقراطية الأمريكية.
في الوقت نفسه، حظي نيوسوم باهتمام لافت، إذ التقى قادة أوروبيين وتبادل معهم رسائل سياسية مفادها أن “لا شيء من هذا دائم”، وأن ترامب أضعف سياسياً مما يبدو. تصريحات كهذه، كانت في زمن سابق ستُعد خرقاً غير مألوف للأعراف، لكنها اليوم تعكس واقعاً سياسياً جديداً.
وخلاصة مؤتمر ميونيخ هذا العام أن العالم يقف عند مفترق طرق. التحالفات لم تنهَر، لكنها لم تعد كما كانت. وبينما يحاول المسؤولون التمسك بخيوط الاستقرار، بات التفكير في المستقبل – لا الحاضر فقط – هو العنوان الأبرز. أوروبا تبحث عن استقلالية أكبر، وأمريكا منشغلة بصراعاتها الداخلية، وفي الحالتين، يبدو أن مرحلة ما بعد اليقين قد بدأت بالفعل.





