نجا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أخطر اختبار سياسي منذ وصوله إلى السلطة، بعد يوم دراماتيكي شهد استقالة أحد أبرز مساعديه وتصاعد دعوات داخل حزب العمال تطالبه بالتنحي، في أزمة يرى مراقبون أنها قد تضع مستقبله السياسي على المحك خلال الأشهر المقبلة.
وواجه ستارمر ضغوطاً متزايدة عقب تداعيات فضيحة مرتبطة بعلاقة سفير بريطاني سابق في الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، بالممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، بعد نشر وثائق جديدة من قبل وزارة العدل الأمريكية تضمنت مراسلات مالية وشخصية أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية البريطانية.
ورغم خطورة الموقف، تمكن ستارمر من تجنب تمرد داخلي مباشر داخل الحزب، بعدما نجح فريقه في الحصول على تعهدات علنية بالدعم من أعضاء حكومته، عقب دعوة زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس ساروار إلى استقالته، وهي الخطوة التي كانت تهدد بفتح الباب أمام محاولة انقلاب سياسي داخلي.
وخلال اجتماع خاص للنواب واللوردات مساء الاثنين، استُقبل ستارمر بالتصفيق والهتاف من أعضاء حزبه، حيث ألقى خطاباً مطولاً استمر 75 دقيقة، دافع خلاله عن قيادته واعتذر عن الأضرار التي لحقت بالحزب نتيجة الأزمة، في محاولة لاحتواء الغضب الداخلي.
لكن رغم نجاحه في تجاوز الأزمة الآنية، تشير تقييمات داخلية إلى أن الخطر لا يزال قائماً. فقد نقلت مصادر حكومية وبرلمانية أن الأزمة منحت ستارمر “مهلة إضافية” فقط، دون أن تضمن استمراره على المدى الطويل.
ويأتي هذا التوتر السياسي بعد أقل من عامين على فوز حزب العمال الساحق في الانتخابات العامة، وهو ما دفع بعض النواب إلى مقارنة وضع ستارمر بالمراحل الأخيرة من حكم رئيس الوزراء المحافظ السابق بوريس جونسون، الذي واجه سلسلة فضائح قبل سقوطه السياسي.
وتفاقمت الأزمة بعد اعتراف ستارمر بأنه كان يعلم باستمرار صداقة ماندلسون مع إبستين بعد إدانته، رغم تأكيده أنه لم يكن على علم بالتفاصيل الكاملة عند تعيينه في منصب دبلوماسي حساس، وهو ما دفع بعض النواب إلى التشكيك في حكمه السياسي.
كما تعرض ستارمر لضربة إضافية مع استقالة رئيس ديوانه مورغان ماكسويني ومدير الاتصالات الحكومي، في وقت تتزايد فيه الشائعات حول تغييرات محتملة في المناصب العليا داخل الحكومة.
ويراقب قادة حزب العمال بقلق الانتخابات المحلية والاسكتلندية والويلزية المقررة في مايو المقبل، والتي يتوقع أن تشهد خسائر انتخابية قد تستغلها المعارضة الداخلية لتعزيز الضغوط على ستارمر.
ويواجه رئيس الوزراء اختباراً سياسياً قريباً مع الانتخابات البرلمانية الفرعية المرتقبة، إضافة إلى احتمال نشر المزيد من الوثائق المرتبطة بفضيحة ماندلسون، وهو ما قد يعيد إشعال الأزمة من جديد.
ورغم إعلان معظم وزراء الحكومة دعمهم العلني لستارمر، تشير مصادر داخل الحزب إلى أن هذا الدعم جاء تحت ضغوط سياسية كبيرة للحفاظ على استقرار الحكومة في الوقت الراهن.
ويرى مراقبون أن بقاء ستارمر في منصبه حالياً يعود جزئياً إلى عدم جاهزية منافسيه المحتملين لقيادة تمرد داخلي، إضافة إلى حسابات سياسية مرتبطة بنتائج الانتخابات المقبلة.
ويعتقد محللون أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل ستارمر السياسي، خاصة إذا لم يتمكن من استعادة ثقة نواب حزبه أو تحقيق نتائج سياسية واقتصادية قوية.
وفي ظل استمرار التوتر داخل الحزب، يواجه ستارمر معادلة صعبة: الحفاظ على وحدة حزب العمال من جهة، وإعادة بناء الثقة السياسية والشعبية من جهة أخرى، وسط توقعات بأن أي أزمة جديدة قد تعيد فتح ملف قيادته بشكل كامل داخل الحزب.





