تجمّع آلاف الأكراد السوريين، في مدينة القامشلي شمال شرق البلاد، في تظاهرة واسعة عبّرت عن التضامن والقلق في آن واحد، وذلك قبيل دخول اتفاق جديد مع الحكومة السورية حيّز التنفيذ يوم الاثنين، يقضي بدمج المؤسسات العسكرية والمدنية الكردية تدريجيًا ضمن هياكل الدولة السورية.
وجاءت التظاهرة، التي شاركت فيها أعداد كبيرة من النساء والشباب، بعد يومين من إعلان سوريا والسلطات الكردية التوصل إلى اتفاق شامل ينهي مرحلة الحكم الذاتي الفعلي الذي أقامه الأكراد في مناطق واسعة من شمال وشمال شرق البلاد خلال سنوات الحرب.
ورفعت في التجمّع شعارات تؤكد على «الحفاظ على الحقوق الكردية» و«تجنّب العودة إلى سياسات الإقصاء»، في وقت يسود فيه الغموض بشأن مآلات الاتفاق.
وكانت دمشق والسلطات الكردية قد أعلنتا، يوم الجمعة، اتفاقًا ينص على «الدمج التدريجي» للمؤسسات العسكرية والإدارية الكردية في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على وقف إطلاق النار الذي أنهى أسابيع من القتال العنيف في عدد من المناطق.
وجاء الاتفاق بعد تقدّم القوات الحكومية في محيط مناطق نفوذ الأكراد، وما رافق ذلك من ضغوط إقليمية ودولية.
وتُمثّل هذه التطورات، وفق مراقبين، انتكاسة استراتيجية للجماعات الكردية التي سعت خلال السنوات الماضية إلى الحفاظ على شكل من أشكال الحكم الذاتي، بعد أن سيطرت على مساحات شاسعة من شمال سوريا في سياق الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بدعم مباشر من تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة. غير أن هذا الدعم تراجع تدريجيًا، ما أضعف الموقف التفاوضي الكردي أمام دمشق.
وينص الاتفاق على دمج القوات والمؤسسات الإدارية «على مراحل»، مع الاستجابة لبعض المطالب الكردية. ومن أبرز هذه البنود السماح بتشكيل كتائب من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، في محاولة لطمأنة السكان المحليين والحفاظ على قدر من التوازن الأمني.
وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إن الاتفاق سيبدأ تنفيذه يوم الاثنين، موضحًا أن الطرفين سينسحبان من مواقع الخطوط الأمامية في بلدة عين العرب، المعروفة أيضًا باسم كوباني، إضافة إلى مناطق أخرى في شمال شرق البلاد.
وأضاف أن «قوة أمنية داخلية محدودة» ستدخل أجزاء من الحسكة والقامشلي، في حين لن تدخل أي قوات عسكرية إلى المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية.
من جهته، أعلن وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى أن الاتفاق يشمل نقل السيطرة على بعض حقول النفط، ومطار القامشلي، وعدد من المعابر الحدودية إلى الحكومة السورية خلال عشرة أيام.
كما أوضح أن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية سيُدمجون بشكل فردي في ألوية جديدة تحت قيادة الجيش السوري، في خطوة تهدف إلى تفكيك البنية العسكرية المستقلة للقوات الكردية.
وفي موقف لافت، قالت الولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز للأكراد، إن الغرض الأساسي من تحالفها مع القوات الكردية «انتهى إلى حد كبير»، في إشارة إلى تراجع التزامها بحماية مكتسبات الحكم الذاتي الكردي، ما أثار مخاوف واسعة لدى الشارع الكردي من مستقبل المنطقة.
ويأتي دمج القوات والمؤسسات الكردية ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي وقّعها الرئيس السوري أحمد الشرع، وتهدف إلى إعادة بسط سيطرة الدولة على المنطقة الشمالية الشرقية.
وينص الاتفاق، الذي نشر نصه الجانبان، على «توحيد الأراضي السورية وتحقيق الاندماج الكامل» للمناطق ذات الغالبية الكردية.
وبينما تصرّ دمشق على أن الاتفاق يشكّل خطوة نحو إنهاء الانقسامات واستعادة السيادة، يخشى كثير من الأكراد أن يؤدي الاندماج إلى تآكل حقوقهم السياسية والثقافية.
وتعكس التظاهرات في القامشلي هذا القلق العميق، في لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة السلطة في شمال شرق سوريا، وتحدد مستقبل العلاقة بين الدولة السورية وأحد أبرز مكوّناتها القومية.





