في قلب الجبال المتجمدة شمال النرويج، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون 20 درجة مئوية تحت الصفر، تخوض قوات مشاة البحرية الملكية البريطانية تدريبات قاسية استعدادًا لسيناريو بات يُنظر إليه في العواصم الأوروبية على أنه واقعي: صراع عسكري مباشر مع روسيا في القطب الشمالي.
داخل معسكر “فايكنغ” العسكري في منطقة سكيولد، يتعلم جنود النخبة كيفية البقاء والقتال في واحدة من أكثر البيئات قسوة في العالم. يخيّمون في الثلج، يتحركون لمسافات طويلة فوق الجليد، ويختتمون برامجهم بالقفز في مياه متجمدة عبر فتحات محفورة في الجليد، في اختبار جسدي ونفسي يعكس طبيعة المهام المتوقعة في حال اندلاع مواجهة كبرى.
ويشهد المعسكر، الذي افتُتح عام 2023 عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، توسعًا متسارعًا.
وبحسب تصريحات رسمية، من المتوقع أن يبلغ عدد القوات البريطانية المنتشرة فيه نحو 1500 جندي خلال ربيع هذا العام، على أن يرتفع العدد إلى 2000 العام المقبل.
وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن لندن “تضاعف فعليًا” وجودها العسكري في النرويج خلال ثلاث سنوات، في رسالة واضحة حول أولوياتها الأمنية الجديدة.
وتحاكي هذه التدريبات سيناريو تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، الخاصة بالدفاع الجماعي.
وقالت العميد جايمي نورمان، قائدة قوات الكوماندوز البريطانية، خلال زيارة رسمية للمعسكر، إن أوروبا “لم تعد تعيش في زمن سلام”، موضحة أن القارة تقف على طيف متصل “يمتد من الحرب إلى السلام”، وأن الاستعداد للأسوأ بات ضرورة استراتيجية.
لكن التوتر في القطب الشمالي لا يقتصر على الجبهة الشرقية للناتو. ففي الوقت الذي تعزز فيه أوروبا وجودها العسكري في شمالها، تثير تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في السيطرة على غرينلاند أزمة موازية، تربك الحسابات الاستراتيجية وتستنزف التركيز الغربي.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن القطب الشمالي يشكل مسرحًا واحدًا مترابطًا، لا يمكن فصل أمن النرويج عن أمن غرينلاند أو الممرات البحرية المتجمدة التي تشهد نشاطًا متزايدًا للسفن الروسية والصينية.
وفي هذا السياق، دعمت لندن وأوسلو علنًا فكرة إطلاق مهمة “حارس القطب الشمالي” التابعة لحلف الناتو، وهي مبادرة عسكرية تهدف إلى مواجهة التهديدات الروسية المتنامية في المنطقة.
ورغم غموض تفاصيل المهمة، فإنها قد تشمل انتشارًا بريًا وبحريًا وجويًا، إضافة إلى تكثيف المناورات العسكرية ومراقبة الممرات البحرية التي باتت تشهد نشاطًا لأساطيل “ظل” تنقل النفط المحظور، فضلًا عن شبهات تخريب كابلات اتصالات حيوية.
وشددت وزيرة الخارجية البريطانية على أن “أمن القطب الشمالي مترابط بالكامل”، محذرة من أن التهديد الروسي لا يقتصر على حدود أوروبا الشمالية، بل يمتد عبر الأسطول الشمالي الروسي إلى المحيط الأطلسي، ما يجعله تهديدًا عابرًا للأطلسي لا يمكن التعامل معه أوروبيًا فقط.
في المقابل، تسود مخاوف في بعض العواصم الأوروبية من أن واشنطن، في ظل إدارة ترامب، تدفع أوروبا لتحمل عبء الدفاع وحدها.
ويزداد القلق مع غياب مواقف واضحة من قيادة الناتو بشأن التوترات المتعلقة بغرينلاند، ما يثير تساؤلات حول تماسك الحلف ومصداقيته.
وفي معسكر فايكنغ، تبدو هذه النقاشات السياسية بعيدة ظاهريًا عن الجنود الذين يتدحرجون في الثلج بعد تدريبات شاقة. لكن الرسالة التي يحملها وجودهم في هذا المكان المتجمد واضحة: القطب الشمالي بات خط مواجهة متقدم، وأوروبا تستعد لحقبة أمنية جديدة تُعاد فيها صياغة مفاهيم الردع والحرب الباردة بملامح أكثر سخونة.





