وسّعت مصر نطاق وأهداف مهمتها العسكرية في الصومال، واضعة حماية حكومة الرئيس حسن شيخ محمود في صدارة أولوياتها، وذلك عقب اعتراف إسرائيل بمنطقة أرض الصومال الانفصالية، في خطوة اعتبرتها القاهرة تحولًا استراتيجيًا خطيرًا يهدد أمنها القومي، بحسب مصادر مطلعة.
وتقول المصادر إن التحرك المصري يعكس قلقًا متزايدًا من أن يمنح الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991، تل أبيب موطئ قدم دائمًا في منطقة القرن الأفريقي، بما يفتح الباب أمام تشكيل محور إسرائيلي–إثيوبي جديد، قد يستخدم كورقة ضغط مباشرة على مصر في ملفات حيوية، على رأسها أمن البحر الأحمر ونزاع مياه النيل.
وترى القاهرة أن أرض الصومال تمثل نقطة جيوسياسية شديدة الحساسية، نظرًا لموقعها على خليج عدن وقربها من مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وقال المحلل العسكري والعميد المتقاعد سمير راغب إن السيطرة أو النفوذ في هذه المنطقة يمكن أن يهدد وصول مصر الآمن إلى البحر الأحمر، الذي يشكل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية وللأمن القومي المصري.
ويكتسب القلق المصري بعدًا إضافيًا في ظل التوتر المزمن مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، حيث تخشى القاهرة أن تستفيد أديس أبابا من أي نفوذ إسرائيلي في أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، وهو سيناريو تعارضه مصر بشدة، باعتبار أن البحر الأحمر يجب ألا يتحول إلى ساحة نفوذ لدول غير ساحلية بترتيبات تتجاوز التوازنات الإقليمية القائمة.
وكانت الحكومة الصومالية قد أدانت بقوة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، واعتبرته انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها، وهو موقف لقي دعمًا مصريًا واضحًا.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الصومالي عبد السلام عبدي، أن القاهرة ترفض “أي إجراءات أحادية الجانب أو محاولات لفرض كيانات موازية خارج الأطر القانونية المعترف بها دوليًا”.
وبحسب المصادر، فإن القاهرة ردت عمليًا على التحرك الإسرائيلي بتعديل أهداف وانتشار قواتها في الصومال، مع إعادة توزيع الوحدات العسكرية بما يتناسب مع المهمة الجديدة، دون الكشف عن تفاصيل ميدانية دقيقة.
ويقدَّر عدد القوات والمستشارين العسكريين المصريين المنتشرين في الصومال بنحو عشرة آلاف عنصر، يعملون في إطار اتفاقية دفاع مشترك وضمن جهود دعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب المسلحة.
وتشير المعطيات إلى أن القاهرة تعتبر بقاء الدولة الصومالية ومؤسساتها أولوية قصوى، إذ ترى أن انهيار الحكومة المركزية في مقديشو أو إضعافها بفعل ضغوط خارجية سيقوض الوجود المصري ويترك الساحة مفتوحة أمام قوى منافسة.
وقال أحد المصادر: “إذا سقطت الدولة الصومالية، فلن يكون لمصر موطئ قدم هناك، وهذا ما لا يمكن القبول به”.
ويأتي هذا التحرك ضمن استراتيجية أوسع انتهجتها مصر خلال السنوات الأخيرة لتعزيز حضورها في القرن الأفريقي وحوض النيل، عبر بناء شراكات مع دول مثل جيبوتي وإريتريا وكينيا، وتطوير موانئ استراتيجية على البحر الأحمر، بما في ذلك دوراليه في جيبوتي وعصب في إريتريا، مع إنشاء مرافق قادرة على استقبال سفن حربية.
وفيما يقلل بعض الخبراء الغربيين من احتمال تحول التوتر حول أرض الصومال إلى مواجهة مباشرة، ترى القاهرة أن التراكم التدريجي للنفوذ الإسرائيلي في القرن الأفريقي يشكل تهديدًا طويل الأمد، خاصة في ظل محاولاتها المستمرة لدفع إثيوبيا نحو اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة.
وبالنسبة لمصر، التي تعتمد على نهر النيل لتأمين معظم احتياجاتها المائية، فإن أي اختلال في التوازنات الإقليمية المحيطة بمصادر المياه والممرات البحرية لا يُنظر إليه كخطر سياسي عابر، بل كتهديد وجودي يمس استقرار دولة يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة، ويجعل من الصومال ساحة متقدمة في معادلة أمنها القومي.





