كشفت معطيات حصل عليها تقرير نشره حساب “The Dark Box” عن تحول استراتيجي عميق في مقاربة المملكة العربية السعودية للواقع الإقليمي، يقوم على كسر المسار الذي فُرض خلال السنوات الماضية بفعل تقاطعات المصالح الإماراتية-الإسرائيلية، والتي باتت الرياض تنظر إليها باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولدورها الإقليمي.
وبحسب التقرير، نقلاً عن مصادر قريبة من دوائر القرار السعودي، فإن القيادة في الرياض، وعلى رأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خلصت إلى قناعة بأن المشروع الذي تقوده أبوظبي بالشراكة مع تل أبيب لم يعد مجرد اختلاف في الرؤى أو تنافس نفوذ، بل تحول إلى مسار يهدد استقرار الدول العربية الكبرى ويستنزف سيادتها ويطوّق مصالحها الحيوية، وعلى رأسها المصالح السعودية.
ويؤكد التقرير أن هذا التحول السعودي لا يرتبط بصراعات عابرة أو خصومات شخصية، بل هو نتاج مراجعة استراتيجية متأخرة لسياسات التفتيت وبناء النفوذ عبر الممرات الحيوية والموانئ والجزر والمضائق.
وترى الرياض، وفق هذه المعطيات، أن هذا النهج القائم على إدارة الفوضى وتقسيم الدول من الداخل، بدأ يشكل طوق ضغط مباشراً على أمنها القومي، من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، مروراً باليمن والسودان.
ويشير التقرير إلى أن جوهر المشروع الذي باتت السعودية تعارضه يقوم على إضعاف الدول المركزية عبر دعم الانقسامات الداخلية، ورعاية قوى محلية انفصالية، واستخدام سرديات “الأمن” و”مكافحة الإرهاب” لتبرير التدخل السياسي والعسكري.
وتبرز الأدلة، بحسب التقرير، في دعم قوى انفصالية في جنوب اليمن، وتغذية الصراع وعدم الاستقرار في السودان، ومحاولات تثبيت موطئ قدم دائم في الضفة المقابلة للبحر الأحمر، بما يهدد خطوط التجارة والطاقة ويقوض أي تسويات إقليمية مستقرة.
وترى المصادر أن هذه السياسات لم تعد محصورة بساحات بعيدة عن السعودية، بل بدأت ترتد مباشرة على أمنها ومجالها الحيوي، ما دفع القيادة السعودية إلى إعادة تقييم مرحلة كاملة من التغاضي وضبط النفس.
ووفق التقرير، فإن الرياض باتت تعتبر أن استمرار هذا المسار يعني محاصرتها استراتيجياً وتقليص قدرتها على التأثير في مستقبل الإقليم.
وتمثل رد الفعل السعودي، كما يورده التقرير، في كسر الصمت السياسي، والتحرك على أكثر من مستوى لإفشال مشاريع الانقسام، سواء عبر أدوات عسكرية أو سياسية أو دبلوماسية.
كما كثفت المملكة تنسيقها مع دول إقليمية ترى في وحدة الدول وسيادتها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، في مقابل منطق الفوضى المُدارة وبناء النفوذ على أنقاض الدول.
ويخلص التقرير إلى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، إذا نجحت الرياض في فرض معادلة تقوم على أولوية سيادة الدول واستقرارها، بدلاً من منطق التفتيت والهيمنة غير المباشرة.
وتبعث هذه المقاربة، بحسب “The Dark Box”، برسالة واضحة مفادها أن زمن التغاضي انتهى، وأن السعودية قررت الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة في رسم معادلات المرحلة المقبلة.





