يجلس جمعة حليم بين مئات النازحين في مسجد بحلب، أرضيته مغطاة بصفوف من المراتب المتراصة، محاطًا بعائلات فرّت من القتال العنيف بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية. بعضهم يحمل أطفالًا على ظهورهم، فيما يحاول آخرون حماية كبار السن والمرضى أثناء نزوحهم.
وليست هذه المرة الأولى التي يضطر فيها السيد حليم، وهو من حي الشيخ مقصود، أحد الأحياء الثلاثة المتنازع عليها ذات الأغلبية الكردية، لمغادرة منزله.
وقال “لقد كانت حياتي مليئة بالحقائب والخسائر والفقر… الآن علينا أن نرحل مرة أخرى، ولماذا؟ ولمن؟ لقد مرّت 14 سنة. هذا يكفي، نريد أن نتصالح ونعيش بسلام”.
وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على جزء كبير من شمال شرق سوريا الغني بالموارد، إضافةً إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بينما يظل حي بني زيد أيضًا ضمن مناطق النزاع.
ومع انهيار الهدنة الأخيرة، تجددت المعارك في المدينة، ما أجبر آلاف المدنيين على الفرار نحو ملاجئ مؤقتة أُنشئت لتوفير الإغاثة الأساسية.
وقُتل تسعة مدنيين على الأقل في الاشتباكات الأخيرة، وفق إحصاءات منظمات مراقبة الحرب ومسؤولين محليين، ونزح أكثر من 140 ألف شخص من منازلهم في أنحاء المدينة.
وأفادت قوات سوريا الديمقراطية بمقتل ثمانية مدنيين على الأقل في الأحياء ذات الأغلبية الكردية.
وقال حليم وهو يمسك معطفه البالي: “ليس لدينا شيء، لا مساعدة، لا شيء. لم أغير ملابسي منذ شهر. هل هذه حياة؟”.
وأضاف أن فراره هذا الأسبوع، كما في مرات سابقة منذ نزوحه الأول في 2011 إلى تركيا، جاء نتيجة العنف المتجدد بعد انقلاب النظام على الاحتجاجات السلمية وتحويلها إلى حرب أهلية مدمرة.
ومع استئناف المعارك، أعلنت وزارة الدفاع السورية فتح ممرات إجلاء للمدنيين، فيما استمر الجيش في تأمين خروج المقاتلين الأكراد وعائلاتهم. لكن الاتفاق المؤقت سرعان ما انهار بعد رفض القوات الكردية الاستسلام، ما أدى إلى تجدد إطلاق النار والاشتباكات بين الطرفين.
وعلى الأرض، هرعت العائلات إلى الممرات الإنسانية، مثقلة بحقائب ثقيلة، بعضهم يمشي تحت المطر بينما يجر آخرون حافلات النقل التي وفرتها المحافظة.
وقال مسؤول في مركز النزوح إن دمشق افتتحت ثلاثة ملاجئ في حلب وما مجموعه 45 ملجأ في جميع أنحاء البلاد لاستيعاب النازحين مؤقتًا.
كما شهد حي الأشرفية توزيع مساعدات غذائية وإيوائية بعد أيام من القتال، فيما تستمر التحذيرات العسكرية من قبل وزارة الدفاع بشأن الأهداف التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وحلفاؤها.
وفي الوقت نفسه، لا تزال هوية الطرف الذي بدأ الاشتباكات الأخيرة محل خلاف، إذ يتبادل كل من الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، بينما يظل المدنيون، مثل حليم، الأكثر تضررًا. وقال: “جميعنا خاسرون، نريد أن نعيش بسلام، لا نريد إراقة الدماء”.
وتأتي هذه الأحداث في سياق تصاعد التوترات بين الفصائل المختلفة في سوريا بعد الإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024، مع استمرار الخلافات حول السيطرة على مناطق ذات أغلبية كردية وأهمية شمال شرق سوريا الاستراتيجية. ويبدو أن الأزمة في حلب ما زالت بعيدة عن الحل، فيما يستعد السكان لمزيد من العنف المحتمل مع فشل اتفاقيات الهدنة المؤقتة.





