فون دير لاين تستبدل مرونة الميزانية بالتجارة الحرة لتمرير اتفاق “ميركوسور”

التجارة الأوروبية

شارك

اختارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التضحية بجزء أساسي من طموحها لإصلاح ميزانية الاتحاد الأوروبي مقابل تمرير اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل «ميركوسور»، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا داخل مؤسسات الاتحاد وبين جماعات الضغط الزراعية، رغم الترحيب الرسمي بها في عدد من العواصم الأوروبية.

وكانت فون دير لاين تسعى إلى إدراج صندوق احتياطي مرن في ميزانية الاتحاد المقبلة لمواجهة الطوارئ الكبرى مثل الحروب والأوبئة والمنافسة المتصاعدة من القوى الاقتصادية العالمية.

غير أن هذا الصندوق، الذي لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، جرى استخدامه فعليًا كورقة تفاوض لتهدئة مخاوف المزارعين الأوروبيين وتأمين دعم دول مترددة، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا، لاتفاقية التجارة مع دول أمريكا الجنوبية.

وعرضت المفوضية الأوروبية تخصيص ما يصل إلى 45 مليار يورو من هذا الاحتياطي لدعم السياسة الزراعية المشتركة، قبل سنوات من الموعد الأصلي المقرر لصرف هذه الأموال. وسارعت عدة حكومات وطنية إلى إعلان «النصر» ونسب الفضل لنفسها في هذا التنازل، معتبرة أنه إنجاز مباشر لصالح مزارعيها.

غير أن محللين في شؤون الميزانية ودبلوماسيين أوروبيين وصفوا الخطوة بأنها تراجع واضح عن فكرة المرونة المالية التي رُوّج لها كأحد أعمدة إصلاح ميزانية الاتحاد، محذرين من أن استنزاف الاحتياطي مبكرًا سيقيد قدرة التكتل على الاستجابة لأزمات مستقبلية غير متوقعة.

وجاء هذا التحرك في سياق ضغوط متزايدة، تجلت في احتجاجات نظمها مزارعون في بروكسل الشهر الماضي، اعتراضًا على اتفاق «ميركوسور» الذي يخشون أن يفتح السوق الأوروبية أمام واردات زراعية أرخص من دول أمريكا اللاتينية، ما يهدد قدرتهم التنافسية ودخولهم.

وخلال اجتماع استثنائي لوزراء الزراعة عُقد هذا الأسبوع وسط ظروف مناخية صعبة، أكدت المفوضية أن «أصوات المزارعين سُمعت»، وتحدث مسؤولوها عن ضمانات وتدابير حماية مدمجة في مسودة الميزانية الجديدة. إلا أن ردود الفعل من القطاع الزراعي جاءت فاترة.

وقالت جمعية المزارعين الأيرلندية إن اقتراح فون دير لاين «ينضح باليأس»، معتبرة أن الأموال الموعودة ليست جديدة، بل جرى اقتطاعها من احتياطي قائم لم يُفعّل بعد.

وذهب خبراء إلى أبعد من ذلك، محذرين من أن توجيه هذه الموارد للزراعة سيتم على حساب أولويات أخرى، مثل تمويل المناطق الأفقر أو تعزيز التماسك داخل الاتحاد.

من جهتها، دافعت المفوضية عن خطوتها، إذ قال مفوض التجارة ماروش شيفكوفيتش إن التنازلات جزء من جهد أوسع لتأمين دعم «أكبر اتفاقية تجارة حرة تفاوض عليها الاتحاد الأوروبي».

وأكد مفوض الزراعة كريستوف هانسن أن التمويل يمكن تعبئته فور بدء الميزانية الجديدة في عام 2028.

لكن منتقدين يرون أن الثمن السياسي والمالي مرتفع. وقالت يولاليا روبيو، الباحثة في مركز جاك ديلور، إن المزارعين «يستهلكون ما تبقى من المرونة في الميزانية»، ما يضعف قدرة الاتحاد على الإنفاق في مجالات أخرى مستقبلًا.

وفي حين تتسابق العواصم على المطالبة بالفضل، لا تزال جماعات الضغط الزراعية حذرة، معتبرة أن العرض اختياري للدول الأعضاء وليس التزامًا ملزمًا، وقد يؤدي إلى تفاوت كبير في الدعم بين دول الاتحاد.

وفي ظل غياب مصادر تمويل جديدة، يبقى الشك قائمًا حول ما إذا كانت هذه الصفقة ستقنع المزارعين أو تضمن استدامة مالية حقيقية للاتحاد الأوروبي.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً