دخل التصعيد العسكري السعودي الأخير في جنوب اليمن مرحلة غير مسبوقة، بعد أن ردّت الرياض بقوة على تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والذي سيطر خلال الأيام الماضية على محافظتين جنوبيتين، بالتزامن مع اعتراض شحنة قالت السعودية إنها تحمل أسلحة ومركبات قادمة من الإمارات ومتجهة إلى قوات المجلس.
ويكشف هذا التطور عن تحوّل خطير في طبيعة الخلافات داخل التحالف العربي، وعن دوافع سعودية تتجاوز المشهد اليمني إلى حسابات إقليمية أوسع.
ويتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 بدعم مباشر من أبوظبي، مشروعًا انفصاليًا يسعى إلى إقامة كيان مستقل في جنوب اليمن.
ورغم انضمامه شكليًا إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ضمن مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، فإن تحركاته الأخيرة في حضرموت والمهرة قرأتها الرياض باعتبارها تمهيدًا عمليًا لإعلان الانفصال، بدعم إماراتي مباشر أو ضمني.
وبلغ هذا التصعيد السياسي ذروته في بيان شديد اللهجة أصدرته وزارة الخارجية السعودية في 30 ديسمبر/كانون الأول، اتهمت فيه الإمارات صراحة بتهديد الأمن الوطني السعودي، وطالبتها بسحب جميع قواتها من اليمن خلال 24 ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف يمني. ويُعد هذا البيان سابقة في العلاقات بين البلدين، من حيث وضوح الاتهام وحدته.
وسارعت الإمارات إلى نفي الاتهامات، ووصفت البيان السعودي بأنه تضمن “مغالطات جوهرية”، مؤكدة أنها لا تدعم أي تصعيد يهدد أمن السعودية أو استقرار اليمن.
لكن أبو ظبي أعلنت في اليوم نفسه سحب وحدات “مكافحة الإرهاب” التابعة لها من اليمن، والتي يُعتقد أنها كانت آخر وجود عسكري إماراتي مباشر في البلاد، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لاحتواء الأزمة دون الاعتراف بمسؤولية مباشرة.
غير أن الموقف السعودي بدا أكثر تشددًا، وترجم سريعًا إلى عمل عسكري. فقد نفذت القوات السعودية غارتين جويتين في جنوب اليمن خلال أيام قليلة.
الأولى في 27 ديسمبر قرب مواقع لقوات المجلس الانتقالي في حضرموت، ووصفت بأنها “رسائل تحذيرية”. أما الثانية فكانت في 30 ديسمبر في مدينة المكلا، حيث استهدفت — بحسب الرواية السعودية — الشحنة القادمة من الإمارات، والتي قالت الرياض إنها كانت محملة بأسلحة ومركبات مخصصة لقوات المجلس.
من وجهة النظر السعودية، يصعب تصور أن المجلس الانتقالي أقدم على هذه الخطوات دون ضوء أخضر إماراتي. والأسوأ، بحسب الرياض، أن قوات مدعومة من أبوظبي سيطرت على أراضٍ كانت خاضعة لقوات مدعومة من السعودية، في وقت يفترض أن الطرفين يقاتلان خصمًا مشتركًا هو جماعة الحوثي. هذا السلوك اعتبرته الرياض عملًا عدائيًا يفتقر لأي مبرر استراتيجي، ويصب في مصلحة الحوثيين وإيران.
والدوافع السعودية لهذا التصعيد تبدو متعددة. أولها أن الرياض تبنّت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية واضحة لخفض التصعيد الإقليمي، إدراكًا منها بأن استمرار الحروب يهدد مشروعها الاقتصادي الطموح ورؤية 2030.
فوجود صراع مفتوح على حدودها الجنوبية، أو احتمال عودة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يشكل تهديدًا مباشرًا لجذب الاستثمارات والسياحة والاستقرار الداخلي.
ثانيًا، تنظر السعودية إلى أي نزعة انفصالية جنوب اليمن باعتبارها خطرًا استراتيجيًا. انفصال الجنوب سيضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويمنح الحوثيين مساحة أكبر للتمدد، ما يعني تعزيز النفوذ الإيراني في خاصرة الجزيرة العربية.
كما أن سيناريوهات ما بعد الانفصال تبقى غامضة: اقتتال داخلي، صراعات جنوبية-جنوبية، أو توسع حوثي جديد، وكلها نتائج غير مقبولة من منظور الأمن القومي السعودي.
ثالثًا، الصدمة السعودية لا تكمن فقط في التهديد نفسه، بل في مصدره. فالرياض اعتادت مواجهة مخاطر مدعومة من إيران، لكنها لا تتوقع تهديدًا من دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي.
وهذا ما يفسر مستوى الغضب وخيبة الأمل في الخطاب السعودي، إذ ترى الرياض أن هذا السلوك يهدد تماسك المجلس وقدرته على مواجهة خصومه الحقيقيين.
وأخيرًا، يأتي هذا التصعيد في لحظة حساسة داخليًا، مع اقتراب محمد بن سلمان من اعتلاء العرش. وفي ظل هذا التحول، لا يستطيع ولي العهد الظهور بمظهر المتردد، بل يسعى لترسيخ صورته كقائد حاسم يحمي الأمن القومي، ويمنع تفكك اليمن، ويحد من النفوذ الإيراني.
الخلاصة أن ما يجري في جنوب اليمن لم يعد مجرد خلاف ميداني، بل تحول إلى اختبار حقيقي لوحدة مجلس التعاون الخليجي. ومع أن السعودية حاولت، على الأرجح، احتواء الخلاف بعيدًا عن الأضواء، فإن شحنة المكلا — سواء ثبتت روايتها أو نُفيت — كانت نقطة الانفجار.
إنها أزمة مفتوحة تحمل مخاطر إقليمية كبرى، وكل يوم تستمر فيه هو مكسب صريح لإيران وخصوم الخليج، ما يجعل خفض التصعيد مصلحة جماعية لا تحتمل التأجيل.