مع اقتراب الأول من يناير/كانون الثاني، الموعد المقرر لاعتماد بلغاريا عملة اليورو رسميًا، يتكشف مشهد اجتماعي منقسم بعمق داخل الدولة البلقانية، حيث تتصارع الآمال الاقتصادية مع المخاوف المعيشية، ويختلط الحنين إلى الليف البلغاري بالرهان على الاندماج الأوروبي الكامل.
فبينما ترى الحكومة في الخطوة تتويجًا لمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تعكس آراء المواطنين انقسامًا حادًا حول ما إذا كان اليورو طوق نجاة أم مصدر أزمات جديدة.
وفي مدينة بيرنيك الصغيرة، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر من صوفيا، يعبّر أنطون تيوفيلوف (73 عامًا)، بائع في سوق مفتوح، عن موقف مؤيد بوضوح.
ويقول إن جيله يرى في اليورو تسهيلًا للحياة اليومية، خاصة في السفر والتجارة داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن الليف “عملة جيدة، لكن زمنها انتهى”.
ومن وجهة نظره، فإن الدفع بعملة واحدة في 27 دولة سيخفف الأعباء ويمنح الاقتصاد البلغاري دفعة جديدة، ويقرب البلاد سياسيًا وثقافيًا من أوروبا التي عانى البلغاريون طويلًا للوصول إليها بحرية بعد تسعينيات صعبة.
لكن هذا التفاؤل لا يحظى بإجماع. ففي صوفيا، تبدو بيتيا سباسوفا (55 عامًا)، طبيبة عظام، شديدة القلق. ترى أن توقيت الانضمام “سيئ للغاية”، في ظل عدم الاستقرار السياسي الداخلي، والأزمات التي تضرب اقتصادات كبرى داخل منطقة اليورو نفسها.
وتخشى أن تتحمل بلغاريا، بوصفها أفقر دولة في الاتحاد الأوروبي، كلفة أزمات وديون لا طاقة لها بها، وأن يؤدي التحول إلى ارتفاع الأسعار واتساع رقعة الفقر، خصوصًا خارج العاصمة.
وتتردد هذه المخاوف أيضًا لدى سفيتوسلاف بونينسكي (53 عامًا)، سائق شاحنة من غابروفو، الذي يعارض الانضمام بشدة. يستشهد بتجارب اليونان وكرواتيا وسلوفاكيا، حيث ارتفعت الأسعار بعد اعتماد اليورو.
واعتبر أن الأجور في بلغاريا لن تواكب التضخم المتوقع. بالنسبة له، الليف عملة مستقرة، بينما اليورو “عملة مثقلة بالديون”، والانضمام إليه يعني خضوعًا أكبر لإملاءات بروكسل على الميزانية والسياسات المالية.
في المقابل، يمثل الجيل الشاب صوتًا مختلفًا. ناتالي إيلييفا (20 عامًا)، طالبة علوم سياسية من بيرنيك، ترى في اليورو خطوة طبيعية ومنطقية بعد انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007.
وتعترف بوجود مخاوف من استغلال التجار وارتفاع الأسعار، لكنها تعتقد أن الدولة قادرة على ضبط المرحلة الانتقالية، وتحذر من تسييس القضية ونشر معلومات مضللة تزيد الاستقطاب المجتمعي.
وتعكس آراء أصحاب الأعمال الصغيرة صورة أكثر براغماتية. فميتودي ميتودييف (53 عامًا) وكاتارينا نيكوليتش (49 عامًا)، شريكا محل آيس كريم في صوفيا، لا يتوقعان تأثيرًا جذريًا على أعمالهما إذا أُدير الانتقال بسلاسة.
وبينما يعترفان بالحنين إلى الليف، يريان أن اليورو قد يعزز الشفافية والثقة الدولية ويتيح قروضًا أفضل، مع ضرورة دعم الدولة للشركات الصغيرة وحماية كبار السن من الارتباك.
في المحصلة، تكشف النقاشات حول اليورو عن انقسام يتجاوز العملة نفسها، ليعكس أزمة ثقة أعمق بين المجتمع والدولة، وبين فئات ترى في أوروبا فرصة للاستقرار، وأخرى تخشى أن يكون الثمن هو مزيد من الغلاء وفقدان السيطرة الاقتصادية. وبين التفاؤل والقلق، تدخل بلغاريا عامها الجديد بعملة جديدة، لكن بأسئلة قديمة لم تُحسم بعد.