يبدو أن الدولار الأميركي مقبل على عام جديد مليء بالتحديات، بعد أن أنهى عام 2025 على أسوأ أداء سنوي له منذ ما يقرب من عقد.
فالتراجع الحاد الذي سجّلته العملة الأميركية، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، يدفع مراقبي الأسواق إلى ترجيح استمرار الضغوط خلال عام 2026، وإن بوتيرة أبطأ.
وكان الدولار، أكبر عملة احتياطية في العالم، قد انخفض بنحو 9 في المئة مقابل سلة من العملات الرئيسية بنهاية العام الماضي، في ظل صراعات جيوسياسية متصاعدة، وحرب تعريفات جمركية بين الولايات المتحدة والصين أعادت رسم خريطة التحالفات التجارية، وزادت منسوب عدم اليقين في الاقتصاد الأميركي.
ويرى غريغور هيرت، كبير مسؤولي الاستثمار في «أليانز غلوبال إنفستورز»، أن مصير الدولار سيظل قضية محورية هذا العام، مرجحًا استمرار ضعفه ولكن بمسار أقل حدة مقارنة بعام 2025.
ويعزو ذلك إلى عوامل أبرزها فارق التضخم الذي يصب في مصلحة أوروبا، إضافة إلى الضغوط السياسية المتزايدة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ويحمل ضعف الدولار تداعيات واسعة، إذ يؤثر مباشرة على أسواق الأسهم والسلع، وأسعار الصرف، وعوائد الاستثمار، كما يرفع كلفة الواردات ويغذي التضخم.
وفي المقابل، يدفع هذا التراجع المستثمرين إلى البحث عن بدائل، سواء عبر عملات أخرى أو أصول لا تعتمد على الدولار.
وكان الذهب أبرز المستفيدين من هذا الاتجاه، إذ قفزت أسعاره إلى مستويات قياسية متجاوزة 4500 دولار للأونصة، مدفوعًا بما يصفه محللون بـ«تجارة التدهور»، أي تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية بفعل الديون المرتفعة والعجز المالي والسياسات النقدية المتساهلة.
كما واصلت البنوك المركزية زيادة احتياطاتها من الذهب، في إطار مساعٍ لتنويع الأصول وتقليص الاعتماد على الدولار.
في المقابل، يراقب المستثمرون عن كثب توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد أن خفّض أسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية العام الماضي، وسط توقعات بمزيد من التخفيضات خلال 2026.
وعادة ما تضغط سياسات التيسير النقدي على قيمة العملات، بما في ذلك الدولار، رغم أن بعض التوقعات بمنح الفائدة فترة تثبيت قصيرة الأجل وفرت دعمًا مؤقتًا للعملة الأميركية.
وتزداد الضبابية مع تصاعد الخلاف السياسي حول قيادة الاحتياطي الفيدرالي، في ظل هجمات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس المجلس جيروم باول، واقتراب انتهاء ولايته، ما يفتح الباب أمام تغييرات قد تؤثر في استقلالية السياسة النقدية.
وفي سياق موازٍ، تبرز العملات المشفرة، ولا سيما العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، كعامل مزدوج التأثير.
فبينما قد توسع استخدام الدولار عالميًا، خاصة في الأسواق الناشئة، فإنها في الوقت نفسه تطرح تحديات أمام الأنظمة النقدية التقليدية، وقد تعيد تشكيل دور الدولار داخل النظام المالي العالمي.
وبين هذه العوامل مجتمعة، يدخل الدولار عام 2026 محاطًا بالضغوط، وسط ترقب عالمي لمساره في مرحلة تتسم بتقلبات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة.