أثار الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون جدلاً واسعاً بعد هجومه الحاد على الحكومة البريطانية، منتقداً قرار حظر حركة “فلسطين أكشن”، ومتهماً رئيس الوزراء كير ستارمر بأنه “لا يملك قراره” في ظل ما وصفه بقيود مفروضة على حرية التعبير في المملكة المتحدة.
وجاءت تصريحات كارلسون خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، حيث شكك في استقلالية القرار السياسي البريطاني، قائلاً إن ستارمر “ليس من يسيطر على بريطانيا”، ومضيفاً أن انتقاد إسرائيل أصبح، بحسب تعبيره، “جريمة يُعاقب عليها القانون”.
وأكد كارلسون أن حملة الاعتقالات التي طالت مئات المحتجين تعكس واقعاً مقلقاً، معتبراً أن التعبير عن دعم القضية الفلسطينية قد يؤدي إلى التوقيف، في إشارة إلى الإجراءات الأمنية التي شهدتها لندن مؤخراً.
في المقابل، اعترضت مقدمة البرنامج على هذه التصريحات، موضحة أن الاعتقالات جاءت بسبب خرق قانون حظر منظمة “فلسطين أكشن”، المصنفة كجماعة محظورة، وليس بسبب مجرد التعبير عن الرأي.
لكن كارلسون واصل انتقاده، متسائلاً عن أسباب الحظر، ومعتبراً أن القرار يعكس ضغوطاً سياسية تتجاوز الإطار القانوني، في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل بريطانيا حول حدود حرية التعبير.
يأتي هذا السجال بعد يوم واحد من اعتقال أكثر من 500 شخص في وسط لندن، خلال مظاهرة حاشدة تحدت قرار الحظر، حيث رفع المحتجون لافتات داعمة لفلسطين، ورددوا شعارات ترفض ما وصفوه بالتجريم السياسي للتضامن.
وتشير المعطيات إلى أن ما لا يقل عن 523 شخصاً تم توقيفهم في يوم واحد، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة باحتجاجات سياسية في البلاد، بينما تجاوز إجمالي المعتقلين منذ فرض الحظر 1600 شخص.
وقد حظرت الحكومة البريطانية الحركة في يوليو الماضي، ما جعل أي دعم لها أو الانتماء إليها جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 14 عاماً، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية.
ورغم أن المحكمة العليا قضت في فبراير بعدم قانونية الحظر، فإن الحكومة حصلت على إذن للاستئناف، مع تحديد جلسات جديدة للنظر في القضية لاحقاً هذا الشهر.
في الميدان، أظهرت المشاهد اقتياد متظاهرين، بينهم كبار في السن وأشخاص يستخدمون عكازات، ما زاد من حدة الانتقادات لطبيعة التعامل الأمني مع الاحتجاجات السلمية.
كما لجأ المحتجون إلى أساليب رمزية، مثل ارتداء أزياء مستوحاة من حركات تاريخية للمطالبة بالحقوق، ونصب كراسي تخييم في ميدان ترافالغار، في محاولة لإبراز سلمية تحركهم.
ويرى مراقبون أن تصريحات كارلسون تعكس اتساع دائرة الانتقادات الدولية للسياسات البريطانية، خاصة في ما يتعلق باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب أو الأمن لتقييد النشاط السياسي.
كما يربط البعض بين هذا الملف والمواقف البريطانية في الحرب الإقليمية، حيث وافقت لندن على استخدام قواعدها العسكرية لدعم العمليات الأمريكية ضد إيران، بعد تردد أولي من حكومة ستارمر.
في هذا السياق، اعتبر كارلسون أن بريطانيا “تعاني من مشاكل كبيرة”، محملاً السياسات الأمريكية جزءاً من المسؤولية، ومشيراً إلى أن العلاقة بين البلدين تؤثر على القرارات الداخلية في لندن.
في المقابل، تؤكد الحكومة البريطانية أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى الحفاظ على الأمن والنظام العام، وأن الحظر يستند إلى تقييمات قانونية وأمنية، وليس إلى مواقف سياسية.
غير أن منتقدين يرون أن توسيع نطاق التجريم ليشمل التعبير عن التضامن السياسي يمثل سابقة خطيرة، قد تؤدي إلى تآكل الحريات المدنية، وتفتح الباب أمام مزيد من القيود في المستقبل.
ومع استمرار الجدل، تبدو بريطانيا أمام اختبار حقيقي في موازنة الأمن مع حرية التعبير، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإعادة النظر في هذه السياسات.
في ظل ذلك، تعكس المواجهة بين الحكومة والمحتجين، وكذلك الانتقادات الدولية، مرحلة حساسة في المشهد السياسي البريطاني، حيث تتقاطع قضايا الأمن، والسياسة الخارجية، وحقوق الإنسان في معركة مفتوحة حول حدود الحرية.





