علّقت شركات وصناديق استثمارية كبرى في كندا والمملكة المتحدة علاقاتها الاستثمارية المستقبلية مع موانئ دبي العالمية، عقب الكشف عن مراسلات إلكترونية مطوّلة بين الرئيس التنفيذي للشركة سلطان أحمد بن سليم والمموّل الأميركي المدان بجرائم الاتجار الجنسي بالأطفال جيفري إبستين، تضمنت—وفق اتهامات حديثة—إشارات إلى مقاطع فيديو وُصفت بأنها “تعذيب”.
وجاء التحرك الأبرز من صندوق إيداع واستثمار كيبيك المعروف باسم “لا كايس”، وهو ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا وأحد أهم الشركاء الماليين لموانئ دبي العالمية.
وقال متحدث باسم الصندوق في بيان نقلته بلومبرغ إن الصندوق أبلغ الشركة بتوقعه “توضيح الموقف واتخاذ الإجراءات اللازمة”، مضيفًا أنه “سيوقف ضخ أي رأس مال إضافي إلى أن يحدث ذلك”.
وبحسب بلومبرغ، يمتلك “لا كايس” حصة تبلغ 45% في شركة موانئ دبي العالمية – كندا، ما يجعل قراره تعليق الاستثمارات المستقبلية خطوة ذات ثقل مالي وسياسي كبير، وقد تفتح الباب أمام مراجعات أوسع لشراكات الشركة الإماراتية حول العالم.
وبعد ساعات من الإعلان الكندي، لحقت مؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية (BII) بالقرار، وأعلنت هي الأخرى تعليق أي استثمارات مستقبلية مع موانئ دبي العالمية.
ونقلت رويترز عن متحدث باسم المؤسسة قوله: “لقد صُدمنا بالادعاءات التي ظهرت في ملفات إبستين بشأن سلطان أحمد بن سليم. وفي ضوء هذه الادعاءات، لن نقوم بأي استثمارات جديدة مع الشركة إلى أن تتخذ الإجراءات المطلوبة”.
وتُعد مؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية شريكًا لموانئ دبي العالمية في أربعة موانئ أفريقية، من بينها ميناء بربرة في منطقة أرض الصومال الانفصالية، ما يمنح القرار أبعادًا جيوسياسية إضافية تتجاوز الجانب الأخلاقي والحوكمي.
وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها تمثل أول تأثير مباشر وعلني على علاقات أعمال كبرى نتيجة الدفعة الجديدة من رسائل إبستين التي كُشف عنها مؤخرًا.
فقد أظهرت المراسلات تفاخر بن سليم بمغامرات جنسية مع نساء من أوروبا الشرقية، يُعتقد أن بعضهن عاملات جنس، إضافة إلى محاولته استمالة سيدة أعمال.
وفي رسالة تعود إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2007، ونشرتها منصة “دروبسايت نيوز”، كتب بن سليم لإبستين: “بعد محاولات استمرت أشهر، التقينا في نيويورك… كان هناك سوء فهم، هي أرادت أعمالًا، بينما كنت أريد المتعة فقط”.
كما ظهر بن سليم في صورة إلى جانب إبستين وهما يتفحصان قطعة قماش تشبه كسوة الكعبة، في مشهد أثار جدلًا واسعًا عند تداوله.
وقد أخذت القضية منحى أخطر بعد أن كشف نائبان في الكونغرس الأميركي—الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا—أن اسم بن سليم كان واحدًا من ستة أسماء حُذفت سابقًا من ملفات إبستين خلال إدارة ترامب. وأفادت ضغوطهما الأخيرة بكشف الاسم.
وقال ماسي إن بن سليم هو الشخص الذي أرسل لإبستين “فيديو تعذيب”. ونشر على منصة X رسالة إلكترونية يعود تاريخها إلى 24 أبريل/نيسان 2009، كتب فيها إبستين: “أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أحببت فيديو التعذيب”.
وفي منشور لاحق، قال ماسي إن وزارة العدل الأميركية “اعترفت ضمنيًا بأن سلطان أحمد بن سليم هو مرسل الفيديو”.
وحتى وقت النشر، لم ترد موانئ دبي العالمية على طلب تعليق من موقع ميدل إيست آي. والشركة مملوكة لحكومة دبي، إحدى إمارات دولة الإمارات، حيث لا يُعرف ما إذا كان بن سليم سيواجه أي ضغوط داخلية، رغم مكانته البارزة في المنتديات الاقتصادية العالمية مثل دافوس.
وتكتسب العلاقة مع “لا كايس” أهمية خاصة، إذ تعود الشراكة إلى عام 2016، مع التزام باستثمارات بلغت 3.7 مليارات دولار في موانئ ومحطات حول العالم، قبل أن يضخ الصندوق 2.5 مليار دولار إضافية عام 2022 في ميناء جبل علي والمنطقة الحرة التابعة له.
ويرى خبراء أن الموانئ تُعد أصولًا طويلة الأجل جذابة لصناديق التقاعد بسبب تدفقاتها النقدية المستقرة، لكن مخاطر السمعة والحوكمة قد باتت اليوم عاملًا حاسمًا لا يقل وزنًا عن العائد المالي.





