الاقتصاد الأمريكي أقل اعتماداً على الطاقة: قدرة أكبر على امتصاص صدمة حرب إيران

الاقتصاد الأمريكي أقل اعتماداً على الطاقة: قدرة أكبر على امتصاص صدمة حرب إيران

شارك

تُظهر مؤشرات اقتصادية أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة الحرب في الشرق الأوسط بميزة نسبية مقارنة بالأزمات السابقة، تتمثل في انخفاض اعتماد اقتصادها على الطاقة، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص صدمات أسعار النفط والوقود.

وتعكس هذه التحولات تغيراً هيكلياً في الاقتصاد الأمريكي خلال العقود الماضية، حيث تراجعت أهمية القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لصالح قطاع الخدمات، الذي يتطلب موارد طاقة أقل.

وفي الوقت ذاته، أصبحت الصناعات التقليدية أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، ما قلّص أثر تقلبات الأسعار على الأداء الاقتصادي العام.

ورغم أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات لا يزال يشكل عبئاً على المستهلكين، فإن تأثيره النسبي أصبح أقل حدة مقارنة بالماضي. وتشير البيانات إلى أن الأجور ارتفعت بوتيرة ساهمت في تقليص حصة الإنفاق على الطاقة ضمن ميزانيات الأسر.

على مستوى الاستهلاك، تمثل تكاليف البنزين حالياً نحو 4% من إجمالي إنفاق الأسرة الأمريكية، مقارنة بـ5.4% خلال ذروة أزمة الطاقة في عام 2008. ويعكس هذا التراجع تحسناً في القدرة الشرائية، رغم ارتفاع الأسعار.

وتُظهر المقارنة التاريخية تحولاً أعمق في العلاقة بين الاقتصاد والطاقة. ففي عام 1991، كانت الولايات المتحدة تستهلك نحو 6.1 مليون برميل نفط يومياً، بينما ارتفع الاستهلاك حالياً إلى 7.5 مليون برميل.

لكن في المقابل، نما الناتج المحلي الإجمالي بنحو 400% خلال الفترة نفسها، ما يعني أن كل وحدة إنتاج اقتصادي باتت تتطلب كمية أقل بكثير من النفط.

ويشير هذا التطور إلى أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أكثر “كفاءة طاقية”، حيث يمكنه تحقيق نمو أكبر باستخدام موارد طاقة أقل نسبياً، وهو ما يقلل من حساسيته للصدمات الخارجية.

وتقدم بيانات تكلفة الوقود مقارنة بالأجور مؤشراً أكثر دقة على العبء الحقيقي. فمع متوسط أجر يبلغ نحو 37 دولاراً في الساعة، وسعر بنزين يقارب 4 دولارات للجالون، يحتاج العامل الأمريكي إلى نحو 6.3 دقائق عمل لشراء جالون واحد.

ورغم أن هذا الرقم ارتفع مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، إلا أنه لا يزال أقل بكثير من مستويات سابقة. ففي عام 2022، خلال أزمة أوكرانيا، احتاج العامل إلى أكثر من 9 دقائق، بينما وصل الرقم إلى أكثر من 11 دقيقة في ذروة أزمة 2008.

وتوضح هذه الأرقام أن تأثير ارتفاع الأسعار الحالي، رغم وضوحه، لا يرقى بعد إلى مستويات الأزمات التاريخية من حيث الضغط على الدخل.

مع ذلك، يحذر اقتصاديون من أن استمرار التصعيد قد يغير هذه المعادلة. ففي حال ارتفاع أسعار البنزين إلى 6 دولارات للجالون، سيقفز الوقت المطلوب لشرائه إلى نحو 9.6 دقائق عمل، وهو مستوى قريب من أزمات سابقة. أما الوصول إلى مستوى 2008، فقد يتطلب تجاوز السعر 7 دولارات للجالون.

وتعكس هذه السيناريوهات أن قدرة الاقتصاد الأمريكي على التحمل ليست مطلقة، بل مرتبطة بمدى استمرار الحرب وحدّة الارتفاع في الأسعار.

على المستوى الكلي، يمنح انخفاض الاعتماد على الطاقة صناع القرار في واشنطن هامش مناورة أوسع، سواء في إدارة السياسة النقدية أو التعامل مع الضغوط التضخمية. كما يقلل من احتمالات دخول الاقتصاد في ركود حاد نتيجة صدمة نفطية.

لكن في المقابل، يبقى المستهلك الأمريكي حساساً لأسعار الوقود، نظراً لاعتماد الحياة اليومية على السيارات والنقل، ما يجعل أي ارتفاع كبير عاملاً سياسياً واقتصادياً مؤثراً.

وتُظهر المعطيات أن الاقتصاد الأمريكي اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه قبل عقود، حيث أصبح أكثر تنوعاً وكفاءة وأقل اعتماداً على الطاقة. غير أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يختبر حدود هذه القدرة، خاصة إذا تحولت الصدمة الحالية إلى أزمة طويلة الأمد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً