صندوق كوشنر الاستثماري في الشرق الأوسط يعيد جدل تضارب المصالح

جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

شارك

عاد اسم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، إلى دائرة الجدل في واشنطن بعد تحركات شركته الاستثمارية Affinity Partners لإطلاق صندوق استثماري جديد، في وقت يتزايد فيه حضوره في ملفات جيوسياسية حساسة تتعلق بالشرق الأوسط وأوروبا.

وتثير هذه التطورات تساؤلات قديمة حول العلاقة بين نشاط كوشنر الاستثماري وصلاته السياسية، خاصة أن صندوقه الأول جمع الجزء الأكبر من أمواله من صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط بعد مغادرته البيت الأبيض في عام 2021.

وعند إطلاق شركته الاستثمارية قبل سنوات، شدد كوشنر على أن مشروعه الاستثماري جاء بعد انتهاء دوره في الإدارة الأمريكية، مؤكداً أنه لم يعد جزءاً من الحياة السياسية في واشنطن وأن تركيزه أصبح منصباً بالكامل على إدارة الاستثمارات الخاصة من مقره في مدينة ميامي.

كما رفض حينها بشدة أي تلميحات إلى أن علاقاته السياسية ساعدت في جمع التمويل، وحرص على التأكيد أن أيامه في الحكومة انتهت حتى لو عاد حماه إلى السلطة.

لكن التطورات الأخيرة أعادت الجدل إلى الواجهة، خصوصاً مع بدء الشركة في تسويق صندوقها الاستثماري الثاني، في وقت يلعب فيه كوشنر دوراً متزايداً في ملفات السياسة الخارجية.

فمنذ الصيف الماضي، انخرط كوشنر في عدد من القضايا الجيوسياسية بطلب مباشر من ترامب، حيث شارك في جهود مرتبطة بالحرب في غزة، ثم في ملف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى سلسلة اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

وفي الوقت الذي كان فيه كوشنر نشطاً في هذه الملفات السياسية، واصلت شركته الاستثمارية العمل بشكل طبيعي في مجال الصفقات الكبرى.

وتشير المعلومات إلى أن فريق الشركة، الذي يضم نحو ثلاثين موظفاً، نجح حتى الآن في استثمار نحو 80 في المائة من أموال الصندوق الأول.

ومن أبرز الصفقات التي شاركت فيها الشركة صفقة الاستحواذ المعلقة على شركة الألعاب الإلكترونية العملاقة Electronic Arts بقيمة تصل إلى 55 مليار دولار.

وشارك في هذه الصفقة أيضاً صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة الاستثمار الأمريكية Silver Lake، حيث لعبت شركة كوشنر دور المستشار المالي للمستثمر الرئيسي في الصفقة.

ويعد صندوق الاستثمارات العامة السعودي أيضاً أكبر المستثمرين في صندوق كوشنر الأول، وهو ما يعكس عمق العلاقة المالية بين الشركة والصناديق السيادية في الشرق الأوسط.

كما شاركت شركة Affinity سابقاً في عرض استحواذ على شركة الإعلام الأمريكية Warner Bros. Discovery ضمن صفقة مرتبطة بشركة Paramount، لكنها انسحبت لاحقاً من العرض.

والآن، تستعد الشركة لإطلاق صندوقها الاستثماري الثاني، حيث بدأت بالفعل إجراء محادثات أولية مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي.

ويرتبط الصندوق السعودي بعقد يمنحه حق “النظر الأول” في المشاركة في الاستثمارات الجديدة التي تطلقها الشركة، وهو ما يجعل الرياض شريكاً رئيسياً في أي صندوق جديد.

ووفق بيانات الأداء الداخلية للشركة، حقق الصندوق الأول معدل عائد داخلي إجمالي يبلغ نحو 36 في المائة، فيما يبلغ معدل العائد الصافي نحو 25 في المائة.

ومع ذلك، يشير محللون إلى أن معظم هذه العوائد لا تزال غير محققة بالكامل لأنها تعتمد على تقييمات الاستثمارات الحالية وليس على عمليات بيع فعلية.

وكان بعض المنتقدين قد وصفوا كوشنر في بداية إطلاق الشركة بأنه مستثمر مبتدئ نجح في جمع مليارات الدولارات اعتماداً على علاقاته السياسية في الشرق الأوسط.

وجاءت هذه الانتقادات بعد تقارير تحدثت عن أن لجنة الاستثمار في صندوق الاستثمارات العامة السعودي كانت متحفظة في البداية على الاستثمار في صندوق كوشنر، لكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قرر المضي في الاستثمار رغم تلك التحفظات.

ويرى بعض المراقبين أن النتائج المالية التي تعلنها الشركة حالياً قد تساعد كوشنر في الرد على هذه الانتقادات، إذ يشير أنصاره إلى أن أداء الصندوق حتى الآن يبدو قوياً مقارنة بصناديق استثمار أخرى.

لكن الجدل حول تضارب المصالح لا يزال قائماً، خصوصاً مع استمرار نشاط كوشنر في ملفات سياسية تؤثر بشكل مباشر على المنطقة التي يأتي منها جزء كبير من مستثمريه.

ويرى منتقدون أن العلاقة الوثيقة بين شركته وصناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط قد تخلق تضارباً بين مصالحه التجارية ودوره غير الرسمي في بعض القضايا السياسية.

ويشير مراقبون إلى أن كوشنر كان مدركاً لهذه الحساسية منذ تأسيس شركته، وهو ما دفعه في البداية إلى التأكيد مراراً أن المشروع الاستثماري منفصل تماماً عن عمله السياسي السابق.

لكن مع عودته إلى الظهور في ملفات السياسة الخارجية، عاد الجدل حول هذه العلاقة من جديد.

ويرى خبراء أن الخيارات المتاحة أمام كوشنر لتخفيف هذه الانتقادات محدودة، إذ يمكنه إما الانسحاب من شركته الاستثمارية أو تقليل اعتمادها على الاستثمارات القادمة من الحكومات الأجنبية.

غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن أيّاً من هذين الخيارين مطروح على الطاولة في الوقت الراهن.

وبينما تستعد شركة Affinity لجمع التمويل لصندوقها الجديد، يبدو أن الجدل حول العلاقة بين المال والسياسة سيظل يلاحق كوشنر، خصوصاً مع استمرار التداخل بين نشاطه الاستثماري وتحركاته في الملفات الدولية.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً

المزيد من المقالات

مضيق هرمز

اقتصادات الكويت وقطر الأكثر تضرراً إذا استمرت الحرب في الخليج حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب في الخليج قد يوجه ضربة قوية لاقتصادات المنطقة، مع توقعات بأن تكون الكويت وقطر الأكثر تضرراً في حال استمرار الصراع وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة. وأفادت تقديرات صادرة عن بنك غولدمان ساكس، نقلتها وكالة بلومبرغ، بأن استمرار الحرب حتى شهر أبريل مع توقف الملاحة في مضيق هرمز لمدة شهرين قد يؤدي إلى انكماش اقتصاد كل من قطر والكويت بنسبة تصل إلى 14 في المئة خلال العام الحالي. وقال الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى البنك فاروق سوسة إن هذا السيناريو قد يمثل أسوأ ركود اقتصادي تشهده الدولتان منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت اضطرابات كبيرة في أسواق النفط بعد غزو العراق للكويت وما تبعه من اندلاع حرب الخليج، وهو ما أدى آنذاك إلى هزة اقتصادية واسعة في المنطقة. وأوضح التقرير أن استمرار الحرب الحالية يهدد بتعطيل قطاع الطاقة والقطاعات الاقتصادية الأخرى في الخليج، ما يخلق ما وصفه الخبراء بـ”سيناريو اقتصادي شديد الخطورة” لدول المنطقة. وتمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس صادرات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي. وبحسب التقرير، فإن توقف الملاحة في هذا الممر الحيوي لمدة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل صادرات الطاقة من الخليج، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات الدول المنتجة للنفط والغاز. وأوضح التقرير أن التأثير الاقتصادي للحرب لن يكون متساوياً بين دول الخليج. ففي حين يُتوقع أن تتعرض قطر والكويت لأشد الضربات الاقتصادية، فإن وضع السعودية والإمارات قد يكون أقل تضرراً نسبياً. ويرجع ذلك إلى قدرة البلدين على تصدير النفط عبر طرق بديلة بعيداً عن مضيق هرمز، ما يسمح لهما بالحفاظ على جزء من صادرات الطاقة حتى في حال تعطل الملاحة في المضيق. ورغم ذلك، يتوقع الخبراء أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو ثلاثة في المئة في السعودية وخمسة في المئة في الإمارات إذا استمر الصراع، وهو ما يمثل أكبر تراجع اقتصادي منذ أزمة جائحة كوفيد عام 2020. وأشار سوسة إلى أن التأثير الاقتصادي للحرب قد يكون في المدى القصير أكبر من تأثير جائحة كورونا، موضحاً أن التعافي الاقتصادي سيبقى ممكناً بعد انتهاء الصراع، لكن حجم الضرر الذي قد يلحق بثقة المستثمرين لا يزال غير واضح. وسجلت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات كبيرة نتيجة الحرب، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 103 دولارات للبرميل مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وإغلاق بعض الإنتاج النفطي في دول خليجية. كما تأثرت أسواق الغاز العالمية بسبب تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أحد أكبر موردي الغاز في العالم. وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الصناعات الثقيلة في المنطقة تتأثر بالأزمة، إذ خفضت البحرين إنتاجها في أحد أكبر مصانع الألمنيوم في العالم نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالملاحة في المضيق. ويرى عدد من الاقتصاديين أن السعودية قد تكون الأفضل أداءً إذا طال أمد الحرب، خاصة في ظل استمرار قدرتها على حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية من الهجمات. كما قد تستفيد المملكة من ارتفاع أسعار النفط، ما قد يساعدها على تقليص العجز المالي المتوقع في السنوات المقبلة. ورغم هذه التحديات، تشير التقديرات إلى أن أسواق الدين العالمية لا تزال تتعامل مع الأزمة بهدوء نسبي، إذ لم يظهر مستثمرو السندات حتى الآن قلقاً كبيراً من تداعيات الحرب على الوضع المالي لدول الخليج. لكن محللين حذروا من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يغير هذه الحسابات، ويضع اقتصادات المنطقة أمام ضغوط مالية واقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة.