مع اقتراب عام 2025 من نهايته، باتت صفقات الدفاع في دول الخليج واقعًا تشكّله القدرة على التنفيذ أكثر مما تحكمه الإعلانات السياسية.
فبعد عام حافل بالإشارات الاستراتيجية، من عودة دبلوماسية صفقات السلاح الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، إلى إعادة فتح النقاش حول مقاتلات الجيل الخامس والطائرات المسيّرة، اتجه التخطيط الدفاعي الخليجي نحو مقاربة أكثر واقعية تركّز على التوافر والاستدامة والتكامل.
وأدى ضغط جداول الإنتاج العالمية واحتدام المنافسة على الأنظمة المتقدمة إلى تعميق الفجوة بين الطموحات المعلنة والقدرات القابلة للنشر فعليًا.
ونتيجة لذلك، لم يعد السؤال المركزي لدى مخططي الدفاع الخليجيين يتمحور حول نوعية المنصات المرغوبة، بل حول أي القدرات يمكن تشغيلها والحفاظ عليها على نطاق واسع خلال السنوات القليلة المقبلة.
في مجال المقاتلات، تصدّرت «إف-35» النقاشات الإقليمية، خصوصًا بعد إعلان الرئيس ترامب في نوفمبر نية واشنطن بيع هذه الطائرة للسعودية.
غير أن مسؤولين أميركيين أوضحوا لاحقًا أن أي نسخة سعودية ستُعدّل بما يحفظ التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ما يجعل الصفقة معقدة إجرائيًا وتتطلب إخطار الكونغرس والانسجام مع جدول إنتاج «لوكهيد مارتن» المثقل بطلبات الحلفاء.
وحتى في أفضل السيناريوهات، لن تبدأ عمليات التسليم قبل أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، وهو ما دفع الرياض إلى التركيز في 2025 على تحديث أساطيلها الحالية من إف-15 ويوروفايتر، وأنظمة القيادة والسيطرة وحماية القواعد.
وسلكت الإمارات مسارًا مختلفًا، إذ لم تُحيِ رسميًا مفاوضات إف-35، مفضّلة الإبقاء على هامش من الخيارات. وفي نوفمبر، برز عرض كوري جنوبي بقيمة تقارب 15 مليار دولار لمقاتلة «كيه إف-21 بوراماي»، متضمنًا مشاركة صناعية ونقل تكنولوجيا.
ورغم تصنيفها كمقاتلة من الجيل الرابع والنصف، فإن جداول تسليمها الأقصر وقيودها السياسية الأخف جعلتها خيارًا عمليًا لأبوظبي.
أما الطائرات المسيّرة، فقد مثّلت العنوان الأبرز للبراغماتية الدفاعية في 2025. ففي مايو، اقتربت قطر من أن تصبح أول دولة خليجية تشغّل طائرة «إم كيو-9 بي سكاي غارديان» بعد صفقة بقيمة 1.96 مليار دولار مع الولايات المتحدة.
وتكرّس هذا المسار في سبتمبر مع إعادة واشنطن تفسير بعض قيود «نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ»، لتسهيل تصدير المسيّرات العسكرية في مواجهة المنافسة الصينية والتركية.
واستثمرت السعودية هذا التحول لتعميق شراكتها الدفاعية مع واشنطن، إذ أكدت شركة «جنرال أتوميكس» أن المحادثات قد تشمل ما يصل إلى 130 طائرة «إم كيو-9 بي»، إضافة إلى نحو 200 طائرة قتال تعاونية.
ومن شأن هذا الحجم أن يضع الرياض في موقع متقدم ضمن نقاشات تصميم القوة الجوية المستقبلية الأميركية، معززًا نفوذها التفاوضي حول الجداول الزمنية والقدرات.
وعلى المستوى السياسي، أعادت الولاية الثانية لترامب تشكيل العلاقات الدفاعية مع الخليج، حيث أعلن خلال جولته في مايو عن اتفاقات تتجاوز 3.2 تريليونات دولار في مجالات التجارة والاستثمار والدفاع.
وتصدّرت السعودية الحزمة الأكبر، مع صفقات دفاع قُدّرت بنحو 142 مليار دولار، إلى جانب استثمارات واسعة في الذكاء الاصطناعي والطاقة.
وفي قطر، أُعلن عن صفقات بقيمة 243.5 مليار دولار، شملت إنفاقًا دفاعيًا على المسيّرات وأنظمة مكافحة الطائرات غير المأهولة، إضافة إلى استثمارات كبيرة في قاعدة العديد الجوية.
أما الإمارات، فأعلنت عن أكثر من 200 مليار دولار من الاتفاقات، إلى جانب التزام طويل الأمد باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة.
ورغم ضخامة الأرقام، بقيت القيود المؤسسية الأميركية، من رقابة الكونغرس إلى تسلسل الإنتاج، عاملًا حاسمًا في تأجيل التسليم.
وبناءً عليه، باتت دول الخليج تتعامل مع صفقات 2025 بوصفها أطرًا استراتيجية لتعزيز الاصطفاف السياسي والتعاون الصناعي، لا كمؤشر فوري على توليد القوة.
ومع التوجه إلى 2026، سيُقاس نجاح هذه الصفقات بقدرتها على التحول إلى عقود فعلية وقدرات قابلة للنشر، لا بحجم الأرقام المعلنة.