كشفت بلومبيرغ أن الإمارات تشهد إعادة تشكيل عميقة في مشهد الصناديق السيادية، تتمحور بشكل متزايد حول الشيخ خالد بن محمد بن زايد، في خطوة تعكس تحوّلًا في موازين النفوذ داخل أبوظبي، وتفتح فصلًا جديدًا في إدارة تريليونات الدولارات من الثروة السيادية.
وجاء هذا التحول إلى الواجهة بعد الجولة الخاطفة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط العام الماضي، والتي تضمنت إفطارًا لافتًا مع ولي عهد أبوظبي.
في ذلك اللقاء، كان ترامب يسعى إلى استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات، بينما بدا الأمير الإماراتي في موقع متقدم لتلبية هذا الطموح.
وقال ولي العهد لترامب آنذاك: “لسنا بحجم الولايات المتحدة، سيادة الرئيس، لكننا نؤثر بما يفوق وزننا”، وهي عبارة لخّصت طموحات أبوظبي المتعاظمة، كما سلّطت الضوء على الصعود السريع للشيخ خالد، الذي تعزّز نفوذه بشكل ملموس خلال الفترة الأخيرة.
في صلب هذه التحولات، يشرف ولي العهد الآن على أحدث كيان سيادي في الإمارة، بعد دمج المستثمر السيادي ADQ، البالغة قيمته 263 مليار دولار، في كيان جديد يحمل اسم العماد القابضة.
وبحسب مصادر مطّلعة، يُرجّح أن يتموضع هذا الكيان كنقطة الاتصال الأولى للمستثمرين الدوليين، مع إمكانية تحويل حصة أكبر من فوائض عائدات النفط إليه خلال السنوات المقبلة.
ولا يقتصر الزخم المحيط بـ«العماد» على حجمه فقط، بل يمتد إلى الأسماء التي تقود إدارته. فقد جرى تعيين جاسم الزعابي رئيسًا تنفيذيًا، وهو شخصية يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها من بين أكثر غير المنتمين إلى العائلة الحاكمة نفوذًا في الدولة.
وحتى وقت قريب، كان ADQ يُدار من قبل الشيخ طحنون بن زايد، الذي يشرف أيضًا على جهاز أبوظبي للاستثمار، أحد أكبر صناديق الثروة في العالم بقيمة تقارب تريليون دولار، إضافة إلى شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى وأكبر مقرض في الإمارة.
غير أن البيانات الرسمية التي أعلنت إعادة هيكلة مشهد الصناديق السيادية في أبوظبي، والتي تُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو تريليوني دولار، خلت من ذكر اسم الشيخ طحنون، رغم كونه مستشار الأمن الوطني ولعبه دورًا محوريًا في التفاوض على التزام استثماري ضخم بقيمة 1.4 تريليون دولار مع ترامب.
ويرى مراقبون أن هذه التغييرات تعكس تحوّلًا تدريجيًا في هياكل السلطة، حيث يتقدم جيل جديد إلى واجهة القرار الاقتصادي، في ظل تزايد اعتماد المصرفيين والمستثمرين العالميين على أبوظبي كمركز لتمويل الصفقات العابرة للحدود.
في هذا السياق، قال الباحث أندرياس كريغ إن ولي العهد “يستحوذ على ملفات متزايدة الأهمية في الأمن الوطني والأمن السيبراني، لكنه بات الآن يحوز أيضًا نفوذًا متناميًا في مجال الجيو-اقتصاد، الذي يُشكّل العمود الفقري لقوة أبوظبي”.
وأضاف أن ما يجري يمثل تحوّلًا جيليًا يتجاوز أبناء مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن بينهم حاكم أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، والشيخ طحنون، والشيخ منصور بن زايد، رئيس مجلس إدارة شركة مبادلة.
وبالنسبة لعمالقة المال، تعني هذه التحولات أن التعامل مع أبوظبي بات أكثر تعقيدًا. فبحسب مصادر مطلعة، يسعى الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، لاري فينك، خلال زياراته للإمارة إلى لقاء الشيخ محمد أولًا، ثم الشيخ طحنون، ثم الشيخ خالد.
ومع صعود «العماد»، يبدو أن ولي عهد أبوظبي لم يعد مجرد وريث سياسي، بل بات لاعبًا مركزيًا في هندسة القوة المالية للإمارة. وهو دور من شأنه أن يرفع مكانته على الساحة التجارية العالمية، ويكرّس الصناديق السيادية بوصفها أداة أساسية ليس فقط للاستثمار، بل لإعداد قادة الدولة المقبلة.





