أعلن مصرف سورية المركزي أن البلاد ستشرع اعتباراً من الأول من يناير/كانون الثاني 2026 في طرح أوراق نقدية جديدة، لتحل محل العملة المتداولة التي صدرت خلال عهد نظام بشار الأسد، في خطوة وصفت بأنها مفصلية ضمن مسار إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي.
وقال محافظ البنك المركزي السوري عبد القادر حسرية، إن عملية استبدال الأوراق النقدية القديمة ستكون «سلسة ومنظمة»، مؤكداً أن المصرف سيعلن بشكل واضح وشفاف عن آليات الصرف، والمواعيد النهائية، والمراكز المعتمدة لتنفيذ عملية المقايضة.
وأضاف حسرية أن البنك المركزي مُنح الصلاحية الكاملة لتحديد تفاصيل العملية بما يضمن انسيابها دون إرباك الأسواق أو المواطنين.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من الإصلاحات النقدية والمالية التي تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى إطلاقها بعد انتهاء الحرب الأهلية في ديسمبر الماضي، عقب الإطاحة بنظام الأسد على يد تحالف فصائل معارضة تقوده هيئة تحرير الشام، وصعود قيادة سياسية جديدة برئاسة أحمد الشرع.
وبحسب محافظ البنك المركزي، فإن العملة الجديدة تمثل «رمزاً للسيادة المالية بعد التحرير»، وتشكل «خطوة ثابتة نحو الاستقرار والانتعاش الاقتصادي»، في بلد أنهكته سنوات طويلة من الصراع والعقوبات والعزلة الدولية.
وأشار إلى أن استبدال العملة يأتي في «مفترق طرق وطني محوري» يعكس بداية مرحلة اقتصادية ونقدية مختلفة عما سبق.
وكانت وكالة رويترز قد ذكرت في أغسطس الماضي، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن السلطات السورية تدرس إزالة صفرين من الليرة السورية، في إطار خطة لإعادة هيكلة العملة الوطنية وتعزيز الثقة بها.
ورغم عدم تأكيد المصرف المركزي رسمياً لهذه الخطوة حتى الآن، فإن طرح أوراق نقدية جديدة يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره تمهيداً لإصلاحات أعمق في النظام النقدي.
وشهدت الليرة السورية انهياراً حاداً منذ اندلاع الحرب عام 2011، إذ تراجعت قيمتها من نحو 50 ليرة مقابل الدولار الأميركي قبل الحرب، إلى ما بين 10 آلاف و11 ألف ليرة في السنوات الأخيرة.
ونتيجة لذلك، بات السوريون مضطرين لحمل رزم كبيرة من الأوراق النقدية لتأمين احتياجاتهم اليومية الأساسية، في مشهد يعكس حجم التدهور في القوة الشرائية والدخل الحقيقي.
وتهدف الحكومة الحالية إلى وقف هذا التدهور، من خلال إعادة بناء المؤسسات المالية، وضبط السياسة النقدية، وتحفيز النشاط الاقتصادي، في ظل وعود بمرحلة جديدة من الاستقرار والانفتاح النسبي.
غير أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات، في ظل بنية اقتصادية متهالكة، وارتفاع معدلات الفقر، وضعف الإنتاج، إضافة إلى استمرار بعض القيود والعقوبات الدولية.
وفي هذا السياق، أعرب مصرفيون وخبراء اقتصاديون عن مخاوف من أن يؤدي طرح العملة الجديدة، إذا لم يُدار بحذر، إلى موجة تضخم إضافية أو إلى تآكل أكبر في القدرة الشرائية، خاصة إذا ترافق مع ضعف الثقة أو غياب سياسات داعمة للإنتاج والدخل.
ويرى هؤلاء أن نجاح الخطوة مرهون بقدرة السلطات على ضبط الأسعار، وتأمين السيولة، وبعث رسائل طمأنة واضحة للأسواق والمواطنين.
وبين التفاؤل الرسمي والحذر المهني، تترقب الأوساط السورية بدء تنفيذ عملية استبدال العملة، بوصفها اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة الجديدة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ووضع أسس تعافٍ اقتصادي طال انتظاره.





