انتهجت دولة الإمارات خلال العقد الأخير سياسة خارجية هجومية اتسمت بتوسيع النفوذ خارج حدودها الجغرافية، عبر مزيج من التحالفات السياسية، والدعم المالي، والتدخلات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، بحسب ما أبرزت وكالة رويترز العالمية.
وذكرت الوكالة أن سياسة الإمارات التوسعية عادت إلى الواجهة مجددًا عقب تصعيد عسكري نادر مع السعودية في اليمن، كشف عن عمق التباينات بين حليفين سابقين تقاطعت مصالحهما ثم تصادمت.
وبحسب الوكالة ترتكز الاستراتيجية الإماراتية على مواجهة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا يتمثل في الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين.
وتعرض أبوظبي هذا التوجه بوصفه دفاعًا عن “الدولة الوطنية” في مواجهة الفوضى والتطرف، غير أن خبراء أمميين ومسؤولين غربيين يرون أن هذه المقاربة أسهمت في تأجيج صراعات داخلية، ودعمت صعود قوى سلطوية مسلحة على حساب المسارات السياسية.
اليمن: نفوذ بلا قوات
رغم إعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن عام 2019، فإن نفوذها لم يتراجع فعليًا. فقد حافظت أبوظبي على حضورها عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو فصيل انفصالي تلقى تدريبًا وتسليحًا ودعمًا سياسيًا إماراتيًا، ويُعد أداة رئيسية لمواجهة حزب الإصلاح المحسوب على الإخوان المسلمين.
كما تنظر الإمارات إلى هذا المجلس بوصفه شريكًا في تأمين الموانئ وخطوط الملاحة في جنوب اليمن، ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًا في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
إسرائيل: تطبيع استراتيجي
شكّل تطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2020 تحولًا جذريًا في السياسة الخارجية الإماراتية، إذ كسرت أبوظبي إجماعًا عربيًا استمر عقودًا.
ورغم التراجع الظاهري في مستوى الانخراط العلني بعد حرب إسرائيل على غزة، فإن العلاقات الدبلوماسية لم تُمس، وبقيت الاتفاقيات ركيزة اصطفاف إقليمي ضد إيران والجماعات الإسلامية المسلحة. كما تنظر الإمارات إلى هذه العلاقة باعتبارها قناة نفوذ مهمة في واشنطن.
السعودية: من الشراكة إلى التوتر
بعد سنوات من التنسيق الوثيق، خصوصًا في اليمن، بدأت الخلافات بين أبوظبي والرياض تطفو على السطح. وبلغ التوتر ذروته عقب غارات جوية نفذها تحالف تقوده السعودية على ميناء المكلا، وما تلاها من لهجة سعودية غير مسبوقة تجاه الإمارات.
ويعكس هذا التصعيد صراعًا على النفوذ في جنوب اليمن، وتباينًا في الرؤى حول شكل التسوية السياسية المقبلة.
مصر: تحالف المال والسياسة
تُعد الإمارات الداعم المالي الأبرز لمصر منذ إطاحة حكم الإخوان المسلمين عام 2013. وقد عزز هذا التحالف استثمارات ضخمة، أبرزها صفقة تطوير الساحل الشمالي المصري، التي وفرت للقاهرة سيولة حيوية.
ويقوم هذا التقارب على عداء مشترك للإخوان المسلمين، وتنسيق سياسي إقليمي شمل ملفات مثل قطر وليبيا وتركيا.
السودان: رهان محفوف بالمخاطر
في السودان، وُجهت اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع في حربها مع الجيش، في إطار صراع نفوذ مرتبط بمخاوف أبوظبي من عودة الإسلاميين عبر المؤسسة العسكرية.
ورغم نفي الإمارات المتكرر، فإن ارتباطها بحميدتي، الشريك السابق في اليمن، وضعها في قلب واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيدًا في أفريقيا.
تشاد وليبيا: نفوذ الساحل والمتوسط
عززت الإمارات حضورها في تشاد عبر اتفاقيات أمنية ومساعدات عسكرية، معتبرة البلاد حاجزًا أمام تمدد الجماعات المسلحة في الساحل. وفي ليبيا، لعبت دور الداعم الرئيسي لخليفة حفتر، سعيًا لإقصاء قوى سياسية محسوبة على الإسلاميين، رغم ما رافق ذلك من انتقادات دولية حادة.
أرض الصومال: استثمار السياسة
في أرض الصومال، بنت الإمارات نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا عميقًا، تمثل في تطوير ميناء بربرة ومنحها حضورًا عسكريًا سابقًا. وتحوّل هذا النفوذ إلى ورقة إقليمية مهمة، خاصة مع التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي أعادت ملف الاعتراف بالإقليم إلى الواجهة.
في المحصلة، تكشف شبكة الإمارات العالمية عن سياسة تقوم على النفوذ الاستباقي، لكنها تضع أبوظبي في قلب صراعات معقدة، حيث يتقاطع الأمن بالاقتصاد، وتتحول محاربة الإسلام السياسي إلى عامل يعيد رسم خريطة التحالفات والخصومات في المنطقة.