حذّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أن أي هجوم عسكري تشنه الولايات المتحدة على إيران سيؤدي إلى اندلاع «حرب إقليمية»، في تصعيد لافت للخطاب الإيراني يأتي في ظل حشد عسكري أميركي متزايد في الخليج، وتزامنًا مع استمرار التهديدات المتبادلة بين الطرفين، رغم الإشارات المتكررة إلى بقاء باب المفاوضات مفتوحًا.
وجاء تحذير خامنئي في كلمة ألقاها أمام حشد في طهران في 17 يناير/كانون الثاني 2026، ونقلتها وسائل الإعلام الرسمية، حيث قال: «ينبغي للأمريكيين أن يعلموا أنهم إذا بدأوا حربًا، فلن تكون حربًا محدودة، بل حربًا إقليمية». وأضاف أن التهديدات العسكرية الأميركية لن ترهب الشعب الإيراني ولن تغيّر من مواقفه.
ويأتي هذا التصريح بعد أن وسّعت واشنطن وجودها البحري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ، عقب تهديدات متكررة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل العسكري ما لم توافق طهران على اتفاق نووي جديد، وتوقف ما تصفه الولايات المتحدة بالقمع العنيف للاحتجاجات الداخلية.
وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق من الأسبوع أن «أسطولًا ضخمًا» في طريقه إلى إيران، في رسالة ردع مباشرة.
وبحسب معطيات عسكرية متداولة، تتواجد حاليًا في المنطقة ست مدمرات أميركية، وحاملة طائرات، وثلاث سفن حربية ساحلية تابعة للبحرية الأميركية، في واحدة من أكبر عمليات الانتشار البحري الأميركي في الخليج منذ سنوات.
وعلّق خامنئي على ذلك بالقول: «ترامب يكرر أنه جلب السفن… الشعب الإيراني لا يخاف من هذه الأشياء ولن يتأثر بهذه التهديدات».
وأكد المرشد الأعلى أن إيران لا تسعى إلى الحرب ولا تبادر بالهجوم على أي دولة، لكنه شدد على أن بلاده سترد «بضربة قوية» على أي اعتداء. وقال: «لسنا المبادرين ولا نريد مهاجمة أحد، لكن الشعب الإيراني لن يقف مكتوف الأيدي أمام من يهاجمه أو يضايقه».
ورغم التصعيد الكلامي، أشار خامنئي ومسؤولون إيرانيون آخرون إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق بالكامل. وتؤكد طهران أنها مستعدة لمفاوضات «عادلة» مع واشنطن، شريطة ألا تستهدف هذه المفاوضات تقليص قدراتها الدفاعية أو فرض شروط تمس سيادتها.
وتأتي هذه الرسائل في وقت يحاول فيه الطرفان الموازنة بين سياسة الضغط والردع من جهة، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة من جهة أخرى.
على الصعيد الداخلي، تزامنت هذه التطورات مع تراجع حدة الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، على خلفية أزمة اقتصادية حادة تميزت بارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة. وقد أعقب تلك الاحتجاجات حملة قمع واسعة النطاق.
ووصف خامنئي تلك التحركات بأنها «انقلاب» و«فتنة» تهدف إلى استهداف مراكز الحكم في البلاد، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية.
وتختلف التقديرات بشأن حصيلة الضحايا. فبينما تشير الأرقام الرسمية إلى مقتل 3117 شخصًا خلال الاضطرابات، قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة، إنها وثّقت حتى الآن وفاة 6713 شخصًا، ما يسلّط الضوء على حجم العنف المصاحب للأحداث.
وفي هذا السياق، أفاد موقع Middle East Eye بأن إدارة ترامب كانت تدرس مؤخرًا توجيه ضربات دقيقة ضد مسؤولين وقادة إيرانيين «ذوي قيمة عالية»، معتبرة أنهم مسؤولون عن مقتل المتظاهرين. ولم يصدر تعليق رسمي من البيت الأبيض على هذه التقارير.
كما أدّى القمع العنيف إلى خطوات تصعيدية متبادلة على الساحة الدولية. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري الإسلامي على قائمة التنظيمات الإرهابية، وردّ البرلمان الإيراني بتصنيف جيوش أوروبية كمنظمات إرهابية.
ورغم هذا التصعيد المتبادل، لا تزال طهران وواشنطن تلمّحان إلى وجود مسار تفاوضي. وقال علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن «الترتيبات الهيكلية للمفاوضات تسير على قدم وساق، خلافًا للضجة الإعلامية».
من جانبه، أكد ترامب أن الحوار مستمر، لكنه أضاف: «سنرى ما سيحدث»، في إشارة إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يراقب الإقليم والعالم بقلق مسار التصعيد، وسط مخاوف من أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل التهديدات المتبادلة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، وتطال استقرار المنطقة بأكملها.





