كشفت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن تصدعات عميقة داخل تحالف الجيش في السودان، حيث يواجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ضغوطاً متزايدة لإعادة تموضعه السياسي، في ظل تداخل معقد بين التحالفات الإقليمية والانقسامات الداخلية.
وأصدرت الحكومة السودانية، بالتزامن مع إعلان وقف إطلاق النار المؤقت في الحرب على إيران، بياناً أدانت فيه الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت طاقة في السعودية، في خطوة اعتُبرت تحولاً دبلوماسياً جديداً في موقف الخرطوم.
وجاء هذا الموقف في وقت كانت فيه أطراف داخل التحالف العسكري الحاكم تُبدي تعاطفاً علنياً مع إيران، ما يعكس انقساماً واضحاً في الرؤى داخل المؤسسة العسكرية.
ويتشكل تحالف الجيش السوداني من مزيج معقد يضم جماعات إسلامية ذات توجهات جهادية، إلى جانب عناصر مدنية وعلمانية شاركت في الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير.
ويخضع هذا التحالف لضغوط متشابكة تشمل ثلاثة ملفات رئيسية: العلاقة مع إيران، والتنافس الإقليمي بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى تصنيف الولايات المتحدة لجماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين في السودان كتنظيمات إرهابية.
تاريخياً، كان السودان قد قطع علاقاته مع إيران عام 2015 خلال حكم البشير، وانضم إلى التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في اليمن، في خطوة أعادت توجيه بوصلة الخرطوم نحو الخليج.
لكن التطورات الأخيرة أعادت إحياء هذا التوازن الهش، خاصة بعد حصول الجيش السوداني على دعم عسكري من إيران، بما في ذلك طائرات مسيّرة ساهمت في ترجيح كفته في الصراع الداخلي.
رغم ذلك، اختار البرهان إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، متجنباً في المقابل انتقاد الضربات الأمريكية والإسرائيلية، في محاولة واضحة للحفاظ على علاقاته مع حلفائه الإقليميين والدوليين.
غير أن هذا الموقف واجه تحدياً داخلياً سريعاً، بعد إعلان قيادي إسلامي بارز دعمه لإيران واستعداده لإرسال مقاتلين للقتال إلى جانبها، ما دفع البرهان إلى الرد بلهجة حادة، مهدداً باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي جهة تحاول فرض مواقف خارجية مغايرة لموقف الدولة.
لاحقاً، تم اعتقال هذا القيادي، في خطوة اعتُبرت رسالة واضحة لضبط الانقسام داخل التحالف الحاكم.
في موازاة ذلك، أدرجت الولايات المتحدة جماعات إسلامية سودانية، بينها فصائل مرتبطة بالإخوان المسلمين، ضمن قوائم الإرهاب، متهمة إياها بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني والمشاركة في أعمال عنف ضد المدنيين.
وزاد هذا التصنيف من الضغوط على قيادة الجيش، التي تجد نفسها مضطرة للموازنة بين الاستفادة من دعم هذه الجماعات ميدانياً، وتجنب العزلة الدولية.
ويرى محللون أن البرهان يسير على خط دقيق بين الحفاظ على دعم داخلي ضروري لاستمرار الحرب، وتقديم إشارات طمأنة للمجتمع الدولي، خاصة في ظل تحذيرات أمريكية متكررة من أي تقارب مع إيران.
كما تواجه القيادة السودانية ضغوطاً من مصر والسعودية، اللتين تبديان قلقاً متزايداً من نفوذ الجماعات الإسلامية داخل الجيش، وتدفعان باتجاه تقليص دورها.
في المقابل، تتهم قوى مدنية معارضة الحكومة العسكرية بالاستمرار في التنسيق مع إيران، معتبرة أن الخطاب الرسمي لا يعكس الواقع الكامل للتحالفات القائمة.
على الأرض، لا تزال الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع مستمرة، حيث يسيطر الجيش على مناطق واسعة تشمل العاصمة الخرطوم وأجزاء من الشمال والشرق، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بنفوذ قوي في إقليم دارفور ومناطق أخرى.
وتعتمد أطراف الصراع بشكل كبير على الدعم الخارجي، حيث تتلقى قوات الدعم السريع دعماً من الإمارات، في حين يحصل الجيش على دعم من أطراف إقليمية أخرى، بينها تركيا.
وأسفرت هذه الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023، عن مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل السودان السياسي والعسكري بات مرتبطاً بشكل وثيق بقدرته على إدارة هذه التوازنات المعقدة، خاصة في ما يتعلق بعلاقاته مع إيران والجماعات الإسلامية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا التناقض قد يفرض على البرهان اتخاذ قرار حاسم قريباً، إما بالانحياز الكامل إلى أحد المحاور، أو المخاطرة بفقدان الدعم الداخلي أو الخارجي.
ومع تصاعد الضغوط، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من الانقسامات، في وقت يواجه فيه السودان تحديات وجودية تتجاوز الصراع العسكري إلى إعادة تشكيل هويته السياسية وتحالفاته الإقليمية.





