حذرت تقارير اقتصادية أمريكية من أن الحرب المتصاعدة في الخليج قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد الأمريكي، في حال استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بما قد يفتح الباب أمام صدمة نفطية واضطرابات مالية تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن التاريخ الاقتصادي الأمريكي يُظهر أن ثلاثة أنواع من الأزمات كانت السبب الرئيسي وراء دخول الولايات المتحدة في حالات ركود اقتصادي، وهي الأزمات المالية، وصدمات أسعار النفط، والأوبئة.
وأكدت الصحيفة أن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أدت بالفعل إلى تحقق أحد هذه السيناريوهات، وهو صدمة أسعار النفط، محذرة من أن استمرار الحرب قد يقود أيضاً إلى أزمة مالية أوسع.
وأوضحت التقارير أن تأثير الحرب بدأ يتوسع بسرعة مع امتداد الضربات العسكرية إلى مناطق مختلفة في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى تعطيل المطارات وإلحاق أضرار بعدد من المنشآت الصناعية الحيوية في المنطقة.
وأشارت التحليلات إلى أن سرعة احتواء الأزمة ستحدد حجم الضرر الاقتصادي المحتمل، إذ قد تعود التجارة العالمية إلى طبيعتها بسرعة إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق نار خلال فترة قصيرة.
لكن التقارير حذرت من أن استمرار العمليات العسكرية لأسابيع أو أشهر، كما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية أعمق وأكثر خطورة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
وأوضحت البيانات أن أحد أخطر التأثيرات المباشرة للحرب يتمثل في تهديد إمدادات النفط العالمية، خصوصاً بعد توقف العديد من ناقلات النفط عن عبور مضيق هرمز.
ويمر عبر هذا المضيق نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأظهرت بيانات شركة لويدز ليست المتخصصة في النقل البحري أن نحو 200 سفينة تجارية وناقلة نفط أصبحت عالقة في منطقة الخليج نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة.
وتسببت هذه التطورات في ارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري، إضافة إلى تعطيل منشآت طاقة رئيسية في المنطقة.
وتعرضت أكبر مصفاة نفط في السعودية لهجوم بطائرات مسيرة أدى إلى توقفها مؤقتاً، كما تعطلت أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر بعد هجمات مماثلة.
وقفزت أسعار النفط العالمية بنحو 15 في المئة منذ اندلاع القتال لتصل إلى نحو 83 دولاراً للبرميل وفق المؤشرات العالمية.
وارتفعت أسعار وقود الديزل في الولايات المتحدة إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى منذ نهاية عام 2023.
وصعد متوسط سعر البنزين إلى نحو 3.25 دولار للغالون مقارنة بنحو 2.99 دولار قبل أسبوع واحد فقط.
وتوقعت مؤسسات مالية دولية أن تستمر أسعار النفط عند مستويات مرتفعة طوال بقية العام.
وحذر محللون في بنك غولدمان ساكس من أن إغلاق مضيق هرمز لأسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل.
وأشارت التحليلات إلى أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أقل اعتماداً على النفط مقارنة بعقود سابقة بفضل التوسع في الطاقة المتجددة وطفرة النفط الصخري.
وتحولت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر صافٍ للطاقة، وهو ما يمنح الاقتصاد الأمريكي بعض القدرة على امتصاص الصدمات.
لكن التقارير أكدت أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي على الأرجح إلى زيادة التضخم داخل الولايات المتحدة، فيما سيؤدي هذا الارتفاع إلى تقليص احتمالات خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة.
وأشارت التحليلات إلى أن الشركات الصغيرة ستكون الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة، لأنها غالباً لا تملك القدرة على استخدام أدوات التحوط المالية أو العقود طويلة الأجل.
ويمتد تأثير ارتفاع الأسعار أيضاً إلى المستهلكين، خاصة أصحاب الدخل المحدود الذين ينفقون نسبة أكبر من دخلهم على الوقود.
ومع ارتفاع أسعار البنزين، يبدأ المستهلكون عادة في تقليص إنفاقهم على مجالات أخرى مثل المطاعم والتسوق.
وأظهرت البيانات أن معدلات الادخار الشخصي في الولايات المتحدة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وقد ارتفعت كذلك معدلات التعثر في سداد بطاقات الائتمان وقروض السيارات إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية.
وأوضح خبراء اقتصاديون أن هذه المؤشرات تعني أن قدرة المستهلكين الأمريكيين على امتصاص صدمة جديدة أصبحت محدودة.
يمتد تأثير الحرب أيضاً إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، حيث رغم أن مضيق هرمز ليس ممراً رئيسياً للبضائع غير النفطية، فإن التوترات الأمنية في المنطقة تزيد من مخاطر الملاحة البحرية.
وتسببت هجمات الحوثيين خلال السنوات الماضية في تحويل مسارات الشحن بعيداً عن قناة السويس، وهو ما زاد تكاليف النقل البحري.
وتؤكد شركات الشحن أن الحرب الحالية قد تؤخر خطط العودة إلى المسار الطبيعي عبر قناة السويس فيما يزيد هذا الوضع من تعقيد قرارات الشركات الأمريكية التي تستورد المواد الخام استعداداً لموسم التسوق في نهاية العام.
وتتزامن هذه التطورات مع ظروف اقتصادية حساسة داخل الولايات المتحدة، حيث ترتفع مستويات الدين العام إلى مستويات تاريخية.
وارتفعت كذلك كلفة خدمة الدين نتيجة أسعار الفائدة المرتفعة، حيث أظهرت الأسواق المالية بوادر قلق إضافية بعد بدء الحرب، إذ بدأ بعض المستثمرين ببيع سندات الخزانة الأمريكية بدلاً من التوجه إليها كملاذ آمن.
وحذر اقتصاديون من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اهتزاز ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي.
وأشار خبراء إلى أن النمو الاقتصادي الأمريكي أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع التكنولوجيا والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتعتمد هذه الاستثمارات على سلاسل إمداد معقدة تمر عبر طرق تجارية قد تصبح أكثر خطورة في ظل الحرب.





